الشرفنامةاعداد: محمد مصطفى الصفار
زبير بلال اسماعيلالمكتبة التاريخية الكردية متواضعة بصورة عامة ، لان معظم تاريخ الكرد لم يدون . وينطبق ذلك على تاريخ الكرد القديم والوسيط والحديث . فالتأريخ القديم يعتمد في الاساس على المكتشفات الآثرية والمادية وعلى ما كتبه الكتاب اليونان والرومان حول العصور القديمة المتأخرة , ولم يؤلف لذلك العصر بالنسبة الى الكرد سوى كتب قليلة وما ورد في تضاعيف وثنايا مدونات الرحالة والأثريين .أما بالنسبة الى التاريخ الوسيط الذي يلعب فيه الاسلام أبرز دور في تأريخ كردستان، بل والعالم , فقد ورد ذكر الكرد وأحداث متصلة بهم في المؤلفات العربية في التأريخ وفي كتب الرحلات والبلدانيين المسلمين , وهنا لا نجد ايضا" كتابا" قائما" بذاته منفردا" في الموضوع .ومع بداية العصر الحديث نرى عناية متزايدة بالكرد وبلادهم , فظهرت مؤلفات خاصة في تأريخهم وأهمها كتاب ( الشرفنامه ) لمؤلفه شرف خان البدليسي المتوفي سنة 1603م وهو باللغة الفارسية وقد ظهر بعد حوالي 600 عام بعد ( الشاهنامه ) أي أنه كتب بين عامى ( 1597 – 1599 م ) وقد أتم شرف خان الجزء الاول من كتابه في سنة 1005هـ / 1597م .ويبحث كتاب الشرفنامه في تاريخ الدول والامارات الكردية في العصور الوسطى والحديثة الى نهاية القرن السادس عشر الميلادي ، وفيه تراجم لملوك وسلاطين وأمراء وحكام من المستقلين والتابعين , ويعتبر أهم مصدر في تأريخ الكرد في تلك العصور المشار اليها . وقد استفاد منه المؤرخون الذين جاءوا بعد شرف خان مثل كاتب ضلبي وأليا ضلبي والأخير رحالة تركي شهير الف ( سياحتنامه ) في سنة 1065 هـ وفيه قسم خاص بالكرد ترجمه الى الكردية الاستاذ سعيد ناكام .نال كاتب الشرفنامه أهتمام الباحثين والقراء من الاجانب والكرد على حد سواء وكذلك أهتمام المعنيين بتاريخ الشرق , وفي الكتاب معلومات مهمة عن البلدان والقبائل واللهجات الكردية والدور المهم الذي لعبه الكرد في تأريخ الشرق الاوسط .والشرفنامه اسم الكتاب منسوب الى شرف خان بن شمس الدين البدليسي ( 1542 – 1603 م ) المعروف بالامير شرف حاكم أمارة بدليس الكردية , وبدليس اسم مدينة و منطقة كبيرة تقع في غرب بحيرة ( وان ) وتتبعها مدن : مرش وكنج سعرت . وكانت ( بدليس ) مركزا" لإمارة توالى على حكمها امراء اسرة شرف خان فكان مؤلف الكتاب هو الامير الخامس المعروف بهذا الاسم من الاسرة الحاكمة، وكان من الامراء النابهين المصلحين , عنى عناية خاصة بالعمران والمعرفة ، وقد نشر كتاب الشرفنامه من بعده مرات عديدة وترجم الى لغات كثيرة .ترجم الشرفنامه الى اللغة الكردية الملا محمود بايزيدي في حوالي سنة 1858م ,والذى أراد ان يقلد شرف خان ويسلك طريقه فبدأ فيما توقف عنده شرف خان , فوضع في سنة 1274هـ / 1857م كتابه ( تاريخ كردستان الجديد ) المتكون من ألف صفحة تقريبا" , ويمكن اعتبار هذين الكتابين بداية طيبة للمدرسة التأريخية الكردية . وبعد أقل من قرن جاء محمد أمين زكي فوضع كتابا" شاملا" في تأريخ الكرد وكردستان وأعتمد فيه على المصادر الاسلامية المختلفة وعلى أحدث ما توصلت اليه دراسات المستشرقين حول الكرد وبلادهم .لقد لقي كتاب الشرفنامه عناية خاصة من لدن المؤرخين والمستشرقين في اوروبا عامة وفي روسيا خاصة من لدن القسم الكردي في معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم في لينينغراد حيث بدأت ( يفغينيا فاسيليفا ) بترجمة الشرفنامه الى اللغة الروسية واتمت الجزء الاول منه وصدر في سنة 1967 وانهمكت بعد ذلك في ترجمة الجزء الثاني .وقد ذكر الدكتور كمال مظهر بان الكاتبة المذكورة استعرضت تاريخ إهتمام الباحثين بالكتاب فأشارت الى أن أول من ذكر شرفنامه هو ( هيربيلو ) في سنة 1776م في كتابه ( المكتبة الشرقية ) أو القاموس العام ، بالفرنسية . وكان هذا قد عرف الكتاب عن طريق احدى كتابات السائح التركي الشهير في القرن السابع عشر كاتب ضلبي ومن بعده كان ( جون مالكولم 1769 – 1833 م ) الدبلوماسي البريطاني الذي عمل في الهند وإيران وهو أول أوروبي تمكن من الحصول على نسخة مخطوطة من الشرفنامه مع مخطوطات أخرى خلال اقامته في ايران . وبعد عشرين سنة نقل المؤرخ الفرنسي ( كاترمير ) كثيرا" من المعلومات من الشرفنامه الى كتابه المعنون ( تأريخ مغول ايران ) الذي ألفه في سنة 1836م .وكان ( خ. د. فرين ) أول روسي ذكر في سنة 1826م في احدى جرائد بطرسبرغ بأن الشرفنامه مصدر تأريخي هام . وبعد ثلاث سنوات دعا الى ترجمته الى إحدى اللغات الاوروبية . ويرى ( قناتي كوردو ) الباحث الكردي المعروف في كتابه ( كوردناسي ) الذي الفه \عن الشرفنامه والمخطوطات القديمة المحفوظة في خزائن لينينغراد (بطرسبورغ حاليا ) وصدر عام 1972م في لينينغراد ( ص 386 – 387 ) بأن : ( م فولكوت ) هو اول من رأى و وصف هذه المخطوطات في عشرينات القرن التاسع عشر في عدة صفحات وان ( خ. د. فرين ) أول شخص في حوالي هذه الفترة تحدث أيضا" عن أهمية ونشر وترجمة الشرفنامه .واستطاع المستشرق الروسي ( زيرنوف ) عضو الاكاديمية الروسية في( بطرسبورغ أن يصدر الجزء الاول من الشرفنامه في سنة 1860 بلغته الفارسية ، وقدم لهذا الجزء بمقدمة ضافية باللغة الفرنسية ، ثم أصدر الجزء الثاني الذي قدمه أيضا" بمقدمة فرنسية في سنة 1862 م. ويقع جزءا الكتاب المطبوع" في حوالي الف صفحة .ونسخ الشرفنامه المخطوطة تبلغ ( 22 ) نسخة موزعة في مكتبات العالم المعروفة ، وحسب المعلومات التي جمعتها ( فاسيليفا ) : ان أقدم وأهم واكمل نسخة مخطوطة منه هي تلك النسخة التي دونها شرف خان بخط يده تحت اسم ( شرفنامي تاريخي كوردستان ) وهي محفوظة في مكتبة ( بودليان ) في اكسفورد وتقع في ( 246 ) صفحة , واكملها مؤلفها سنة 1005هـ 13 آب 1597م . واكمل الجزء الثاني من الكتاب في مايس 1599م . والنسخة الاخرى المهمة من الكتاب هي النسخة المخطوطة المحفوظة في المكتبة العامة في لينينغراد ويرجع تأريخها الى سنة 1598 م حيث إطلع المؤلف بنفسه عليها و وضع عليها ختمه .وهذه النسخة غنمها الجيش الروسي سنة ( 1826 – 1828م ) في حربه مع الفرس حيث نقل من أردبيل من مكتبة الصفويين الى بطرسبورغ وكانت الشرفنامه أحدى مخطوطات هذه المكتبة .
ترجمات الشرفنامةإن اقدم ترجمة للشرفنامه كان الى اللغة التركية ، حيث ترجم مرة مختصرا" واخرى بصورة كاملة . والترجمة الاولى قام بها ( محمد بك بن احمد بك ميرزا ) في سنة 1078هـ 1667 – 1668م , والثانية قام بها سامي في ثمانينات القرن السابع عشر .وبعد حوالى (200 ) سنة ترجم الملا محمود البايزيدى الجزء الاول من الكتاب الى اللغة الكردية وذلك في سنة 1858 – 1859م بتشجيع من المستشرق المختص بالدراسات الكردية( الكسندر ذابا ) الذي تمكن عن طريق البايزيدي الحصول على كثير من المخطوطات الكردية المحفوظة الآن في المكتبة العامة بلينينغراد .وفي هذا الوقت تقريبا" ترجم الكتاب في فينا ( النمسا ) الى اللغة الالمانية من قبل ( ك. آ. بارب ) ونشر بصورة متسلسلة في سنوات 1853 – 1859 م ، ثم جاء البروفيسور ( ف. ب. شارموا ) وترجم الكتاب بكامله الى الفرنسية بين سنة ( 1868 – 1875 م ) . وقد بذل جهدا" كبيرا"وكان يعتبر من اكبر المختصين في الدراسات الايرانية في اوروبا في عهده ، وقد اعتمد على نسخة ( زيرنوف ) الفارسية بالدرجة الاولى وعلى نسخ خطية أخرى من الكتاب , وأصدر الكتاب في أربعة أجزاء .وقد حصل العالم الاذربيجاني ( د. محمد شمسي ) على درجة الدكتوراه برسالته المعنونة ( شرفنامه شرف خان البدليسي كمصدر لتاريخ الشعب الكردي ) وكتبها باللغة الاذرية ثم نشر سلسلة مقالات حول الكتاب أي الشرفنامه و مؤلفه .أما في الوطن العربي فقد طبع الشرفنامه في مصر في سنة 1930م من قبل الناشر الكردي فرج الله زكي باللغة الفارسية . وقد اعتمد الناشر على ثلاث نسخ هي : ( النسخة الروسية التي نشرها زيرنوف ) و ( نسخة ثريا بدرخان باشا ) و ( نسخة المدرسة العثمانية في حلب ) ووضع الاستاذ الراحل محمد علي عوني حواشي الكتاب المطبوع . وترجم الكتاب الى اللغة العربية لاول مرة الاستاذ ( ملا جميل روذبياني ) ونشره في بغداد في سنة 1953 م بمساعدة المجمع العلمي العراقي , وهذه الطبعة المترجمة غنية بحواشيها وتعليقاتها التي أضافها المترجم للكتاب . ثم قام المرحوم محمد علي عوني بترجمة الشرفنامه الى العربية ايضا" في مجلدين نشر بعد وفاته من قبل وزارة التربية والتعليم في مصر بأعتناء الاستاذ الراحل الدكتور يحيى الخشاب الذي قدم الكتاب بمقدمة مهمة في حوالي ( 50 ) صفحة إستعرض فيها تأريخ الكرد حتى العصر الحديث . وصدر الجزء الاول منه في سنة 1958م .وأخيرا" قام المرحوم ( عبدالرحمن موكرياني )( هذار ) بترجمة الكتاب من الفارسية الى اللغة الكردية , وصاغه بلغة بلغة كردية جميلة بمضامينه النثرية والشعرية وطبعه المجمع العلمي الكردي على حسابه في سنة 1972 م. ويقع هذا الكتاب المطبوع في ( 840 ) صفحة فضلا" عن ( 176 ) صفحة هي مقدمات الكتاب وتتضمن كلمات تقريظ ومقدمة الطبعة الروسية ومقدمة الطبعة المصرية الفارسية لمحمد علي عوني ومقدمة الطبعة المصرية العربية ليحيى الخشاب ومقدمة المترجم وتراجم لبعض المؤرخين الكرد الذين خدموا التاريخ والادب الكردي , والحواشي الكثيرة وشجرات الانساب لعدد من الاسرات الكردية الحاكمة .هذا هو كتاب الشرفنامه : المصدر التاريخي الهام القديم والجديد الجامع , لم يؤلف في موضوعه ما يماثله في غزارة المعلومات وشمولية البحث الى يومنا هذا . فكان لشرفخان الريادة في كتابة تأريخ الكرد .كلمة لا بد منهاlترك المؤرخ الكردى البارز الراحل زبير بلال اسماعيل (1938-1998) ارشيفا بالغ الثراء من المؤلفات والدراسات التأريخية القيمة، التى تنتظر التحقيق والنشر، وقد كتب مؤرخنا الجليل هذا المقاال لمناسبة مرور (400) عام على تأليف اهم مصدر عن تأريخ الكرد وكردستان على الأطلاق وهو كتاب ( الشرفنامة ) ووجد فى ثنايا ارشيفه العلمى ، وليس لنا من جهد فى هذا الصدد ، سوى طبعه ونشره الكترونيا ، ونأمل ان نكون قد وفينا جزءا يسيرا من فضل استاذنا ومؤرخنا الجليل علينا نحن الذين تتلمذنا على يديه ، وتحية وفاء وعرفان بالجميل الى روحه الطاهرة .( محمد مصطفى الصفار)
|
| لعلاقات العربية – الكردية واعادة بنائها وفق مسار صحيح الدكتور نوري طالباني * تعود الكثير من المثقفين العرب لدى تطرقهم لتاريخ الكرد وجغرافية بلادهم كردستان الرجوع الى قوالب جاهزة لبعض "المؤرخين" العرب، بعضها من محض الخيال والوهم كانحدار الكرد من الجن والعفاريت! او نتيجة استنتاجات خاطئة لتحديد اطر العلاقات بين العرب والكرد. ووصل الامر الى حد لجوء البعض لسلاح التكفير او التخوين ضد من يخالفهم الراي، وبذلك تعرض تاريخ الكرد للتهميش خلال قرون عديد او التشويه والتهريج خلال السنوات الاخيرة. ان معادلة العلاقات العربية – الكردية كانت ولا تزال غير متكافئة ولم يتم وضعها في اطارها الصحيح الا نادرا. وقد حاول بعض المؤرخين الكرد منذ بداية القرن الماضي وضعها في موضعها الصحيح، لكنهم جوبهوا بسيف الارهاب الفكري الذي رفع في وجوههم ما اجبر بعضهم على السكوت. واشهر سلاح التكفير في وجههم حتى بعض ابناء جلدتهم باسم الدين، لانهم تعودوا على قراءة المسار الذي سطره المراجع التقليدية الدينية. والتاريخ لن يكتب بصورة صحيحة ان لم يتوفر لدى تدوينه هامش من الاستقلالية والحرية الفكرية، ومضمونه في كل الاحوال لن يكون صحيحا بالاطلاق، لان الحقيقة نفسها نسبية وغير مطلقة. الاشارة الى جوانب من تاريخ العلاقات العربية - الكرد يستلزم استقراء الحوادث القديمة والبحث عن تاريخ نشوءها منذ البداية. ان العلاقة المباشرة بين العرب والكرد كانت منعدمة قبل نشوء الدولة العربية – الاسلامية، باستثناء ما اشار اليه البعض من ان كرديا باسم ابن غابان، والصحيح هو "ابن كاوان" (بالجيم المصري)، زار الرسول عليه افضل الصلاة والسلام واشهر اسلامه بين يديه. وعندما وصلت جحافل جيوش الدولة العربية – الاسلامية في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الى حدود بلاد الكرد الذي كان يمتد من اعالي جبال زاغروس شمالا حتى قصبة تكريت جنوبا، دافع الكرد عن وطنهم ودينهم الزرادشتي بقوة وعزم، وهو امر طبيعي بالنسبة لكل امة يتعرض وطنها والدين الذي يؤمن به ابناؤها لخطر جديد داهم. بيد ان العلاقات التي نشات فيما بعد بين قادة الدولة الجديدة المنتصرة والشعوب والملل التي احتلت اوطانها تميزت بعدم تدخل الدولة الجديدة في شؤونهم الداخلية وترك هامش كبير من الاستقلالية لهم عبر زعمائهم وقادتهم. واستمر هذا النمط من العلاقات حتى بعد توسع رقعة حدود الدولة العربية – الاسلامية واتصالها بالحضارات البعيدة كالفارسية والبيزنطينية واليونانية والهندية. يتفق الجميع على القول ان الدولة العربية – الاسلامية بعد الخلافة الراشدية قامت على قاعدة الشريعة الاسلامية نطريا والعصبية القبلية والقومية عمليا، وان الدين الجديد اضفى القوة على هذه العصبية، فاصبح مشروع الدولة الاسلامية مطبوعا بطابع ديني وعصبي قبلي، وهذا ما فتح الباب على اشكال من المعارضة والمقاومة ضد السلطة منذ نشوء الدولة الاموية وقيام الدولتين العباسية والعثمانية فيما بعد، فكان الانفصال واضحا بين الدولة والامة عبر التاريخ الاسلامي لعدم اندماجهما اندماجا عضويا منذ البداية. وينبغي النظر الى العلاقات التاريخية بين العرب والكرد من هذه الزاوية وعدم الخلط بين السلطة التي كان يتحكم بها اناس تحت ستار من الدين، والكرد الذين دخلوا الدين الجديد فيما بعد واخلصوا له وضحوا بحياتهم من اجله خلال حقب طويلة من التاريخ. لقد شارك الكرد في جيوش الدولة التي اعتبروا جزءا منها كافراد ومجموعات، وبوجه خاص لدى تاسيس دولتهم غير المصبوغة برداء القومية والتي كانت الوحيدة التي تحمل صفة الدولة الاسلامية بعد زوال دولة الراشدين، واعني الدولة الايوبية ( 567 – 685 - 950) للهجرة بقيادة مؤسسها صلاح الدين الايوبي وانجاله ، تلك الدولة التي حررت القدس وارض فلسطين وما جاورها من البلاد من الغزاة الصليبيين الذين احتلوها خلال قرون عديدة تحت ستار حماية الدين المسيحي ومقدساته. كان مشروع الدولة الاسلامية مطبوعا بطابع ديني قبلي منذ البداية وكانت السلطة المركزية لا تتدخل في شؤون الاقاليم والولايات الا بالشكل الذي يؤمن لها مصالحها العليا، خاصة لدى نشوب الحروب الخارجية او ظهور الفتن الداخلية. لقد تجاهل معظم المؤرخين العرب الاشارة الى اسم الكرد او الاشادة بدور بعض قادهم وزعمائهم في توطيد اسس واركان الدولة العباسية بعد نشوئها، باستثناء بعض الشعراء العرب الذين اوردوا اسم الكرد وبعض قادتهم في قصائدهم في معرض تهجمهم عليهم، كذكر احدهم اسم ابا مسلم الخراساني ووصفه اياه وقومه الكرد بالغدر، متجاهلا دوره الكبير والمؤثر في بناء الدولة العباسية. ولم يشر معظم المؤرخين العرب لاسماء الدول والامارات الكردية التي كانت قائمة في العهد الاسلامي، كالروادية (230 – 618 للهجرة) والسالارية (300 – 420 ) و الحسنوية البرزكانية (330 – 405) والشدادية (340 – 465) والدوستكية المروانية (350 – 476) والعنازية (380 – 446) والشوانكاره (412 – 658) واللورية الكبرى (550 – 827) واللورية الصغرى ( 570 – 1250) وامارة (اردلان 617 - 1284) وعشرات الامارات الكردية الاخرى منها امارت (بوتان) و(سوران) و(باهدينان) و(بابان)، وهذه الاخيرة استمر حكمها حتى 1851. وقد كتب بعض المؤرخين الكرد كتبا ودراسات وافية عن تلك الامارت واشاروا الى ادوارها في بناء حضارة وثقافة اسلامية ازدهرت بفضل جهود العلماء والمفكرين الكرد الذين كرسوا كامل جهودهم وامكاناتهم لخدمة الشريعة الاسلامية ولغتها العربية، نذكر على سبيل المثال لا الحصر موسوعة الامير شرف خان بدليسي المشهورة "شرفنامه" قبل اكثر من ستمائة عام، ومؤلفات العلامة محمد امين زكي العديدة خاصة مؤلفيه الكبيرين "خلاصة تاريخ الكرد وكردستان" و"تاريخ الدول والامارات الكردية في العهد الاسلامي" اللذين الفهما بالكردية عام 1931 و1937 ثم ترجما الى العربية من قبل المرحوم محمد علي عوني المترجم في الديوان الملكي المصري وطبعا في القاهرة عام 1945، واعيد طبعهما مجددا عام 1986. وبخلاف حكام الدولتين الاموية والعباسية، حاول قادة الدولة العثمانية منذ البداية التقارب مع الامراء والزعماء الكرد في اماراتهم المنيعة بحصونها ومعاقلها الجبلية، فكلف السلطان سليم الاول احد مستشاريه وهو الحكيم والعالم الكردي المشهور ادريس البدليسي للاتصال بهم، وادت جهوده الى ابرام معاهدات وتحالفات بين تلك الامارات والسلطان ضمنت لها الاحتفاظ باستقلالها في ادارة شؤونها، وللسلطان وقوف تلك الامارات معه في حالة تعرض الدولة العثمانية لهجوم اجنبي مع حماية حدودها الواسعة مع جارتها الكبرى الامبراطورية الفارسية. لقد كان معظم سلاطين ال عثمان منهمكين انذاك في حروب طويلة الامد ضد بعض الدول والامبراطوريات في اوروبا، وكان الامراء الكرد يحمون حدود الدولة العثمانية من تجاوزات الجارة الشرقية لها والتي كانت تحين الفرص للاستحواذ ولو على جزء من اراضيها. واستمر الحال على هذا المنوال حتى اوخر ايام العهد العثماني حين تعرض حكمهم للانحسار في اوروبا، فحاول بعض السلاطين فرض سياسة تعتمد المركزية في ادارة شؤون البلاد، وهو ما عجل في انهيار الدولة العثمانية التي اطلق عليها اسم الامبراطورية المريضة نتيجة التدخل الكثير للدول الاوروبية في شؤونها الداخلية. ادى انهيار الدولة العثمانية في نهاية الحرب العالمية الاولى الى تقسيم وطن الكرد بين دول عديدة، بعد ان كان مجزئا بين الامبراطوريتين العثمانية والايرانية. واستجاب قادة الحلفاء في البداية لمطالب الكرد الذين كانوا يطالبون مع العرب والارمن بتشكيل كيان خاص بهم، فتضمنت معاهدة سيفر المبرمة في 10 اب 1920 ثلاث بنود فتحت الامال رحبة امام الكرد لانشاء كيان خاص بهم بمرحلتين متعاقبتين، يتشكل خلال المرحلة الاولى كيان يتمتع بحكم ذاتي واسع في المنطقة الممتدة من شمالى بحيرة وان حتى الحدود السورية، والذي يتحول في المرحلة الثانية الى دولة كردية بامكان انضمام ولاية الموصل بها لو اراد ابناؤها الالتحاق بها. لكن مصالح الدول المنتصرة في الحرب، خاصة بريطانيا التي كانت تهيمن على نفط ايران وتحاول الاستحواذ على نفط المنطقة باسرها واعادة تقسيم المنطقة وفق مصالحها الخاصة دفعت الامور تسير في اتجاه اخر، وادت الجهود التي بذلتها حكومة لندن والتي كانت تتفق ضمنا مع مصالح الدولة الكمالية التي نشات حديثا في تركيا الى ابرام معاهدة اخرى في لوزان عام 1923، نسخت عمليا نصوص معاهدة سيفر. ومنذ ذلك التاريخ يناضل الكرد من اجل تحقيق امانيهم القومية حتى ولو كانت ضمن حدود الدول التي اجبروا على العيش ضمنها. كانت معاناة الكرد ولا تزال قاسية في ظل النظام الكمالي في تركيا، اما في العراق فقد تراجعت الحكومة العراقية عن وعودها التي قطعتها للكرد المتضمنة الاعتراف بوجودهم في كيان خاص بهم. وساءت الامور الى الاسوا في ظل حكم البعث الذي لجا الى اساليب وصلت الى حد ارتكاب جرائم جماعية تدخل ضمن مفهوم جريمة الابادة، منها تغيير الواقع السكاني في المناطق الكردية قسرا باجبار الكرد على الرحيل منها وتوطين غيرهم في ديارهم. ولتحقيق هذه السياسة التي تنافي روح العصر والمبادئ الموثقة في المعاهدات والمواثيق الدولية، دمر النظام البعثي الاف القرى والقصبات الكردستانية واجبر سكانها على الرحيل منها او ابادتهم فيها. وادا كان النظام الدكتاتوري قد انتهى الى غير رجعة في العراق، فان اثار تلك الساسة لا تزال باقية ولم تحاول حكومتى علاوي والجعفري حلها رغم ان قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية كرست نصا قانونيا وهو المادة 58 لحل هذه المشكلة المستعصية. وقد نقل نص المادة 58 الى الدستور الجديد في مادته 136، نامل من الحكومة المقبلة للعراق الاسراع بوضعها موضع التطبيق خلال الفترة المحددة لها وهي نهاية عام 2007 كحد اقصى. خلال زيارة السيد عبدالعزيز الحكيم لبرلمان كردستان في 28 ديسمبر 2005 وجه اليه عدد من البرلمانيين الكردستانيين اسئلة عديدة حول هذه المسالة بالذات باعتباره رئيسا لقائمة الائتلاف العراقي الموحد التي ينتمي اليها رئيس الحكومة الدكتور ابراهيم الجعفري. وكان من بين المتكلمين كاتب هذه الاسطر الذي صارحه بالقول ان السبب الرئيس لعدم تطبيق تلك المادة لحد الان هو ان رئيس الحكومة الدكتور الجعفري لا يؤمن هو وعدد من اعضاء حكومته بمضمونها، ومن لا يؤمن بشيئ لايضعه موضع التنفيذ، لذلك ينبغي ان يكون رئيس الحكومة المقبلة للعراق مؤمنا بتطبيق تلك المادة، والا فان العلاقات العربية الكردية ستمر بمرحلة حرجة اخرى لا نعرف مداها واثارها، والامر متروك له ولقائمته التي حازت على اكثرية المقاعد في مجلس النواب المنتخب، خاصة وان الدستور قد حدد المسار الصحيح لحل هذا الاشكال العويص من جانب الحكومة العراقية المقبلة. ولكى تستعيد العلاقات العربية الكردية عافيتها وتعود الى مسارها الصحيح، يجب ازالة اثار السياسة العنصرية المنافية لروح العصر التي نفذها النظام الديكتاتوري السابق خلال اكثر من ثلاث عقود من الزمن. لقد كرس النظام المقبور جميع جهوده لتدمير تلك العلاقات، وامام الحكومة المقبلة للعراق فرصة ثمينة لاعادة بنائها بصورة صحيحة قبل ان يفوت الزمن. 29 كانون الثاني 2006 -------------------------------------- * قانوني وعضو مستقل في برلمان اقليم كردستان - العراق
|