قراءة جديدة في آيات آلقران
أمير ريشاوي
تحريفٌ في القرآن
كانت مرحلةُ جمع القرآن في مصحف من أخطر المراحل التي تعرَّض لها النصّ القرآني.
لقد نزل القرآن على سبعة أحرف، وأجاز المسلمون قراءته بالمعنى دون اللفظ، وأباحوا
تعدّد النصوص قبل توحيدها في مصحف عثمان. وقد جعل كل هذا مرحلة جمع القرآن نقطة
تحّول في نزاهة النص القرآني.
فبالرغم من معارضة ·الصحابة في بداية الأمر لجمع القرآن في سفرٍ واحد، لأنهم رأوه
بدعة لم يفعلها الرسول في حياته. وما أن خرجت الفكرة إلى حيّز الوجود حتى تعدّدت
المصاحف، وأصبح لكل ·صحابي مصحفٌ لا يرضى عنه بديلاً!
روى عكرمة أن علياً بن أبي طالب قعد في بيته بعد بيعة أبي بكر، فقيل لأبي بكر: كره
بيعتك! فأرسل لعلي قائلاً: أكرهت بيعتي؟ قال: لا والله! فسأله أبو بكر: ما أقعدك
عني؟ قال: رأيتُ كتاب الله يُزاد فيه، فحدَّثْتُ نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاةٍ
حتى أجمعه. قال أبو بكر: نِعْم ما رأيت.
أما مصحف أبيّ بن كعب فقد كان منتشراً في بلاد الشام، وهو يختلف عن المصحف العثماني
بزيادة سورتي الحفد والخلع. وقد روى البيهقي أن عمر بن الخطاب صلّى بهما، وأن علياً
كان يعلّمهما الناس، وكانوا يقرأون بهما في حضرة عبد الملك بن مروان!! (أي إلى عصر
الدولة الأموية).
ويختلف مصحف أُبيّ عن غيره أيضاً في أن سورتي الفيل وقريش فيه سورة واحدة، لا
سورتان كما في مصحف عثمان، وكذلك سورتا الضُّحى والانشراح.
وهناك مصحف ابن مسعود، وكان ابن مسعود من أئمة القرّاء الذين أوصى محمدٌ بهم، فقد
أورد السيوطي عن جابر أنه سمع النبي يقول: ·خذوا القرآن عن أربعة: عبد الله بن
مسعود، ومعاذ بن جبل، وسالم، وأُبي بن كعب . ويختلف مصحف ابن مسعود عما سواه في أنه
لا يورد سورة الفاتحة والمعّوَذتين (الفلق والناس). ومن المرويّ عنه قوله: "إن
المعوذتين ليستا من كتاب الله !"
أما مصحف زيد فقد كان جمعه وتدوينه بأمرٍ من الخليفة أبي بكر، بعد توصية عمر بن
الخطاب له، وقد جمعه زيد من صدور الصحابة ومن العظام وأوراق الأشجار ولباب الأخشاب
والنخيل!!
عثمان بين التوحيد والتحريف!
كانت مرحلة جمع القرآن ذات أثر واضح في تاريخ المصحف، فقد أصبحت هناك نصوص عديدة
للقرآن مختلفة متباينة، وتفرَّق المسلمون وتشيَّعوا للنصوص، وقد بلغ الاختلاف أشده
عندما تقاتلوا وكفَّر بعضهم بعضاً، وتبادلوا التّهم المختلفة، وعلى رأسها تهمة
التحريف.
وعندما رأى الخليفة عثمان بن عفان ما حدث للمسلمين، عزم على أن يوحِّد أحرف القرآن
على حرفٍ واحد. فقد روى أنس بن مالك أن الناس اختلفوا في القرآن على عهد عثمان حتى
اقتتل الغلمان والمعلّمون، فبلغ ذلك عثمان، فقال: أعندي تكذبون وتلحنون فيه؟ فمَن
نأى عني كان أشدّ تكذيباً ولحناً! يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إماماً .
وبعد أن كوّن عثمان لجنة تتولّى كتابة المصحف، أمر بغيره من المصاحف وغلى لها زيتاً
وألقاها فيه. وهذا يثير لدى الباحثين الشك في مصداقية النصّ الذي بين أيدينا.
فعلي بن أبي طالب يشهد أن كتاب الله يُزاد فيه!
ويذكرون أن علياً كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ، أما عثمان فقد حذف المنسوخ من
مصحفه. وما بين أيدينا الآن به آيات عديدة ناسخة ومنسوخة!
ومن الحقائق التاريخية التي ستظل تثير شك الباحثين في تاريخ المصحف هو كيف اختلف
ابن مسعود في مصحفه عن غيره من الصحابة، فأنكر سورة الفاتحة وسورتي الفلق والناس،
وكفّر من اعتبرها من كتاب الله؟! وابن مسعود هذا ممن أوصى محمد بالأخذ عنهم في
قراءة القرآن، وقد رُوي عنه قوله إنه يعلم ما صغُر وما كبُر في القرآن - وعندما
كُلِّف زيد بجمع القرآن من دونه غضب واشتدّ حنقه على تكليف من لم يتجاوز العشرين من
عمره بهذه المهمة التي كان هو أكثر المؤهَّلين لها، فقال مستنكراً تكليف زيد بجمع
القرآن: ·واللهِ لقد أسلمت وهو مازال في صُلْب رجلٍ كافر! .
أما مصحف أُبي فقد دُّوِن فيه ما ليس في المصحف العثماني من آيات وسور.
فلماذا كان الخلاف والاختلاف؟ وقد كان القوم حديثو عهدٍ بحياة قائدهم؟!
ونحن نتساءل أيضاً: لماذا تجاهل المسئولون عن جمع القرآن عظماء الصحابة أمثال علي
بن أبي طالب، وأُبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس؟ كما يحق لنا التساؤل: لما شكّل
عثمان لجنةً لجمع القرآن وترتيبه ورفع المنسوخ منه، لماذا لم يرضَ هو ومن معه بنسخة
زيد، وقد رضيها أبو بكر وعمر وعلي وكبار الصحابة مدة خلافة أبي بكر وعمر؟
إن فعلة عثمان التي فعلها في حق المصحف ستظل محل اتهام وتشكيك، وهي إحراقه لما بين
يديه من مصاحف. فإذا كانت المصاحف التي سبقت المصحف العثماني، ومنها مصحف زيد
الأول، موافقةً للنص العثماني الموحّد، فلماذا أُتلفت؟
وإذا كانت مخالفة وحقَّ عليها التلف، فكيف نطمئن إلى نسخة عثمان كما لم يطمئن هو
إلى ما فعله أبو بكر وعمر وعلي؟!
الشيعة وتحريف القرآن
كل ما ذكرناه فيما مضى يمثِّل أقوال وآراء علماء السنّة المعتمَدين، وهي تطعن في
نزاهة القرآن وتتّهمه تصريحاً وتلميحاً بالنقصان تارة، والزيادة تارةً أخرى،
والتغيير والتبديل ثالثةً.
ويقول علماء الشيعة بوقوع الزيادة والنقصان في القرآن. وقد أجمع أهل النقل والتفسير
عندهم على أن القرآن المتداوَل بين أيدي المسلمين اليوم ليس القرآن كله! قال بذلك
·علي بن إبراهيم وتلميذه ·الكليني وقال به أيضاً الإمام ·العياشي و·الطبرسي وغيرهم.
وقد أكد الإمام محمد بن جعفر في كتابه ·الإمامة أن الله لم يقل قط في القرآن
ثَانِيَ ا ثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ا لْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ
تَحْزَنْ إِنَّ ا للَّهَ مَعَنَا" (التوبة 9: 40).
وللمذهب الشيعي عدد من الكتب صنّفها كبار أئمتهم في تأكيد وقوع التحريف في النصوص
القرآنية، أشهرها كتاب ·فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب للإمام ·النوري
. وقال المؤلف في مقدمته: ·هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن،
وفضائح أهل الجور والعدوان .
والكتاب يضم ثلاث مقدمات وبابين:
ويؤكد المؤلف في مقدمته الأولى نبْذ ما جاء في جمْع القرآن وجامعه وسبب جمْعه، وقد
تطرّق النقص والاختلاف بالنظر إلى كيفية الجمع، معّزِزاً رأيه بروايات للإمام
·الصدوق و·الطبرسي و·الصغار و·الكليني و·ابن شهر أشوب و·المجلسي و·العياشي
و·النعماني وغيرهم، ملخصها: أن علياً جمع القرآن ولم يزد فيه حرفاً، ولم ينقص منه
حرفاً، فرفضوه ونبذوه وراء ظهورهم، وأن الخلفاء الثلاثة وَكلوا تأليف القرآن ونظمه
إلى من وافقهم على معاداة أولياء الله، فأسقطوا منه ما تضمَّن مدحاً للأئمة والنص
الجلي على إمارة أمير المؤمنين. وعلى هذا فلا يستطيع أحد ادّعاء جمع القرآن كله غير
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. ويضيف الإمام النوري في كتاب ·فصل الخطاب :
·والجامعون، منهم جامعه الأول أمير المؤمنين، وجمْعه يخالف جمع الآخرين إجمالاً.
أما المصاحف الأخرى فهي مصحف الخلفاء الثلاثة. ومصحف أُبي بن كعب، ومصحف ابن مسعود،
وهذه مصاحف أربعة .
ويخلُص إلى القول: ·ويُستفاد من مجموع تلك الأخبار خاصيها وعاميها، منطوقها
ومفهومها، وبعد إمعان النظر فيها أن القرآن الموجود الآن بين أيدي المسلمين شرقاً
وغرباً المحصور بين الدفتين، جمعاً وترتيباً، لم يكن كذلك في حياة الرسول !
أما المقدمة الثانية لكتاب الإمام ·النوري فهي في بيان أقسام الاختلاف والتغيير
الممكن حصوله في القرآن. والصور في الزيادة والنقصان كثيرة، فالنقصان يشمل سورة
كسورة الحفد والخلع. أما التبديل فقد شمل الكلمة والحرف وحركات الكلمات .
وأكّد الإمام النوري رأيه باقتباس أقوال علماء الشيعة في تغيير وتحريف القرآن،
وأورد أقوال أكثر من اثني عشر عالماً أصولياً يُقِرّون بتحريف القرآن، أمثال
·الكليني و·المجلسي في كتابه ·مرآة العقول ومحمد بن الحسن الصيرفي في ·التحريف
والتبديل وأحمد بن محمد في كتابه ·التحريف .
أما الباب الأول من كتابه فقد ذكر فيه الأدلة على وقوع التغيير والنقصان في القرآن،
معّزَزة بالأخبار والروايات:
1 - هناك أخبارٌ تدلّ على سقوط آيات كثيرة مثل آية الرجم، ونقصان بعض السور، فسورة
الأحزاب كانت بطول سورة البقرة، وسورة ·البيّنة ورد فيها ذكر سبعين شخصاً من قريش
بأسمائهم وأسماء آبائهم، وأنها كانت في طول سورة البقرة!
2 - لعلي بن أبي طالب قرآن جمعه بنفسه، يختلف بالزيادة والنقصان عن قرآن عثمان. ومن
الزيادات:
ألست بربكم، ومحمد رسولي، وعلي أمير المؤمنين.
... وكان أبواه مؤمنين وكان كافراً.
... وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث.
... وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم..
إن الإنسان لفي خُسر، وإنه فيه إلى آخر الدهر..
3 - وجود مصحف لعبد الله بن مسعود يخالف المصحف الموجود الآن، ويخالف أيضاً مصحف
أمير المؤمنين (علي). ثم يذكر الإمام ·النوري بعض الآيات التي تفرَّد بها مصحف ابن
مسعود:
إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل محمدٍ على العالمين
ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك الذي انقض ظهرك، ورفعنا لك ذكرك بعليٍّ صهرك.
نماذج من النصوص التي يعتقد الشيعة بتحريفها:
يقدم لنا الأستاذ محمد مال الله في دراساته عن الشيعة أكثر من ستين موضعاً يعتقد
الشيعة بأنها محرّفة، نذكر بعضها، وقد وضعتُ العبارات المعتبرة لديهم والغير موجودة
فيما بين أيدينا من مصاحف بين قوسين:
عن أبي بصير عن أبي عبد الله في القول:
"وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (في ولاية الأئمة) فَقَدْ فَازَ فَوْزاً
عَظِيماً" (الأحزاب 33: 71) إذ يعتقد الشيعة أن صحابة محمد قد حذفوا كلمة "في ولاية
الأئمة".
عن أبي بصير بن أبي عبد الله عليه السلام في القول:
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ـ بتركهم ولاية أمير المؤمنين ـ عَذَاباً
شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (فصلت 41: 27).
عن الحسين بن مباح عمن أخبره قال: قرأ رجل عند أبي عبد الله عليه السلام وَقُلِ
اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ( التوبة 9:
105).
فقال: ليس هكذا، إنما هي: "والمأمونون" ونحن "المأمونون".
عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية هكذا: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا (آل
محمد حقهم) لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً
إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً (النساء 4: 168 و169.
عن أبي حمزة أيضاً في قوله تعالى: فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ (بولاية عليّ) إِلاَّ
كُفُوراً (الإسراء 17: 89).
مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا
(البقرة 2: 106) يرون أن أصل الآية بدون كلمة أو مثلها !
فماذا يقول القارئ في كل ما أوردناه هنا؟
المادة التاريخية في القرآن
للإعجاز القرآني في رأي المسلمين، وجوه شتى، أبرزها الإعجاز التاريخي. ويلخّص علماء
الإسلام أسانيدهم في قولهم ·القرآن في حديثه التاريخي كان قولاً إلهياً محكماً (د.
أحمد شلبي في كتابه ·محاضرات في الحضارة الإسلامية). وقال د. البلتاجي في كتابه
"دراسات قرآنية" : ·تحدَّث القرآن فأتى بخبر الأّولين، وتنبأ بحوادث الآخِرين، وهذا
ما لا يتوفّر لأعرابي فضلاً عن كونه أمياً لا يقرأ ولا يكتب. فإن لم يكن وحياً فما
مصدره؟ وقال سيد قطب في مقدمة كتابه "في ظلال القرآن": "ينبغي أن يكون الحكم للقرآن
ونصوصه، لا للآثار والمؤرّخين، لأن القرآن أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض،
وصاحبه يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى" (طه 20: 7). وهو يردّد دائماً "أأنتم أعلم أم
الله؟".
هذا هو موقف بعض العلماء الإسلاميين من الإعجاز التاريخي، وهو موقف ليس إجماعياً،
أي أنه ليس رأي الجمهور. فهناك من يرى أن التاريخ في القرآن لا يقع في دائرة
المحكم، بل يقع في مربّع ·النصوص المتشابهة التي يجوز فيها التأويل والتفسير
والاجتهاد، وحجتهم أن القرآن أتى في حديثه التاريخي بآيات مبهمات، ولم يُقطع في
إشكالياته التاريخية الكثيرة بقولٍ فصل، بل تناولها بألفاظٍ مطاطة تُحمل على أكثر
من معنى!
ونحن وإن كنا لا نقف في هذا الخندق أو ذاك، فإننا نرى أن التدليل على وجود الأسطورة
في القرآن دليل كاف على إبطال القول بربّانية القرآن، ومع ذلك فنحن نضيف عدداً من
الشواهد التي تؤكد صدق مذهبنا:
أهمل القرآن مقوِّمات التاريخ، فلم يحدّد الزمان والمكان، ولم يعيّن الأشخاص. فليس
هناك قصة قرآنية جاءت فيها هذه المقوّمات. فقصة موسى، رغم تكرارها، لم تذكر لنا
تفاصيل دقيقة من حياته لا يستغني عنها المؤرخ، مثل ذكر صفة موسى ونسبه ووقت إرساله،
والقصد من ذلك، وأين وكيف جعل هارون وزيراً له وسبب ذلك؟ وما كان بينهما وبين القوم
من جدلٍ وحوار، وغير ذلك مما لا يمكن الاستغناء عنه، لأن التاريخ لا يكون تاريخاً
إلا به.
اختياره بعض الأحداث دون بعض، فلم يهتم القرآن بتصوير الأحداث الدائرة حول شخصٍ أو
الحاصلة في أمةٍ تصويراً تاماً كاملاً، أي ما يلفت الذهن إلى مكان العظة وموطن
الهداية. ولعله من أجل ذلك جمع القرآن في الموطن الواحد كثيراً من الأقاصيص التي
تنتهي بالقارئ إلى غاية واحدة. مثلما فعل في قصص سورة هود. هذا فضلاً عن كونه لم
يهتم بالترتيب الزمني أو الطبيعي في إيراده للأحداث وتصويرها.
إسناده بعض الأحداث لأناسٍ في موطن، ثم إسناده نفس الأحداث لغيرهم من الأشخاص في
موطن آخر. ومن ذلك قوله: قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحرٌ عليم قَالَ
الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (الأعراف 7: 109).
ولكنه يقول على لسان فرعون نفسه في نفس الموقف: قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ
هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (الشعراء 26: 34).
كذلك نجد في قصة إبراهيم أن البشرى بالغلام كانت لامرأته: "وَلَقَدْ جَاءَتْ
رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ
أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ … وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا
بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ" (هود 11: 69). بينما نجد أن
البشرى لإبراهيم نفسه "وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُوا
عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قَالُوا لاَ تَوْجَلْ
إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ" (الحِجْر 15: 51-53).
"هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ
فَقَالُوا سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ … فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ
خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ" (الذاريات 51: 24-28).
4. إنطاقه الشخص الواحد في الموقف الواحد بعبارات مختلفة حين يكرر القصة، ومن ذلك
تصويره لموقف الله من موسى حين رؤيته النار، فقد نودي مرة بقوله: "فَلَمَّا
جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا" (النمل 27: 8)
ونودي مرة أخرى بقوله: "فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِيِء الْوَادِي
الْأَيْمَنِ فِي الْبُقَعْةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى
إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (القصص 28: 30).
وفي سورة طه: "فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً" (طه 20: 11، 12).
5. وجود مواقف جديدة لم تحدث أصلاً في سياق القصة مثل قوله عن اليهود:
"وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ
وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ" (النساء 4: 157). فمن المعروف عقلاً ومنطقاً أن
اليهود لم يقولوا إن المسيح رسول الله، لأنهم لو اعتقدوا بذلك لما قتلوه ولما
صلبوه!
جاءت المادة التاريخية في القرآن لتكون في خدمة الدعوة الإسلامية، فلم تخضع لمناهج
البحث العلمية، إنما كانت مادة موجَّهة تسيطر عليها الأغراض الدينية، فأصبحت
مُجَسِّدةً لحياة محمد وأتباعه وقومه، لا لأحداث التاريخ الحقيقية. فسِيَر الأنبياء
المذكورين في القرآن ليست حتماً هي أحداث حياتهم بقدر ما هي أحداث الدعوة المحمدية!
والقصص التي جاءت من أجل هذا الغرض كثيرة في القرآن، منها مجموعة القصص التي وردت
في سورة هود، حتى لقد علّل البعض أسباب اختلاف قصة لوط في سورة هود عن قصته في سورة
الحجر باختلاف الأحداث المتصلة بحياة محمد نفسه. فالقصد من سورة هود هو تثبيت قلب
محمد وأتباعه، لذلك عُني القرآن بما نال لوط من أذى، فأبرز حالته النفسية، وقصد أن
يوضح عواطفه ويصوّر أفكاره. وهكذا الأمر في كل القصص التي وردت في هذه السورة، مما
يتلاءم مع بدايتها وختامها. ففي البداية يقول مصّوِراً نفسية محمد: "فَلَعَلَّكَ
تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ" (هود 11: 12) ويقول
في ختامها: "وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ
بِهِ فُؤَادَكَ" (آية 120).
أما القصد من قصة لوط في سورة الحِجر فقد كان لبيان ما ينزل بالمكذّبين من أذى. ومن
هنا حرص القرآن على أن يجعل الملائكة تعلن عن نفسها وتخبر لوطاً بما سيحل بالقوم من
مصائب وما سينزل عليهم من عذاب. وهو ما يتناسب مع حالة محمد، وقد صرّح به القرآن في
ختام سورة الحِجر حين قال: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا
كَانُوا يَعْمَلُونَ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين" (الحجر 15: 92- 95). فالحرص على العذاب الذي
ينزل بأقوام الرسل هو المقصود من القصة، وهو الذي يتلاءم مع ذلك القسم الأخير.
فالمقاصد كما ترى هي التي يرمي إليها القرآن، وهي التي تُملي الأسلوب والطريقة، وهي
التي من أجلها يسلسل القرآن الأحداث ويربط بينها بربُط العاطفة والوجدان.
وإضافةً على ذلك، فإننا إذا أردنا أن نختار قصةً قرآنية تمثل نفسية محمد وأتباعه في
موقفهم مع قومهم، وفي فترة من فترات تاريخية أصدق تمثيل، فلن نجد أقوى ولا أعنف ولا
أصدق من قصة نوح كما جاءت في السورة التي تحمل اسمه، فهي تعرض لمشكلات محمد وأتباعه
في دعوتهم، وتتمشّى فيها حركة الأسلوب مع حركة العاطفة، وتصوِّر الضيق الذي ألمَّ
بمحمد، ثم اتجاهه إلى الله ليخفِّف عنه البلاء وينقذ المؤمنين من جماعة الكافرين
الضالة المُضلّة.
تقول السورة: "إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ
نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ ا عْبُدُوا ا للَّهَ وَا تَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ
لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ أَجَلَ
اللَّهِ إِذَا جَاءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي
دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً
وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي
آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَا سْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً
ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً ثُمَّ إِنّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ
لَهُمْ إِسْرَاراً فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً
يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمُ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ
وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ
لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ ا
للَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً وَجَعَلَ ا لَقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ
الشَّمْسَ سِرَاجاً وَا للَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الَأَرْضِ نَبَاتاً ثُمَّ
يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً وَا للَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ
بِسَاطاً لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ
عَصَوْنِي وَا تَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً
وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ
وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا
كَثِيراً وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ
أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أَنْصَاراً وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ
دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ
فَاجِراً كَفَّاراً رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ
مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ
تَبَار" (نوح 71: 1-28).
ويصوّر ما ورد في سورة نوح حالة محمدٍ وأتباعِه وصراعَهم مع قومهم. ولو حاول محمدٌ
أن يكتب تاريخ دعوته لما أضاف على ما ذكرته هذه السورة شيئاً!!
إن التشابه تامٌ بين حال نوح في القصة وحال محمد. نلحظ ذلك في عناصر الدعوة من
عبادة الله وطاعته، كما تلحظه في طريقة الدعوة من حيث الجهر والسرية وفي مقابلة
القوم لمحور دعوته بالنفور والفرار، ثم الاستكبار وجَعْل الأصابع في الآذان، ثم في
الأشياء التي رغَّب بها في الإيمان، وفي الإعداد بالمال والأنهار، ثم الأشياء التي
تُلفِتهم إلى عظمة الله مِن خَلْقهم أطواراً، ومن خلق السموات السبع الطباق، ومِن
جَعْل القمر نوراً والشمس سراجاً، ثم في مناجاته لربه تلك المناجاة التي يخبره فيها
أنهم اتَّبعوا الأغنياء، ومَن لم يزدهم مالُهم وولدهم إلا خسارة، ثم في تصويره لمكر
هؤلاء الأغنياء أو القادة حين طلبوا من قومهم البقاء على ما هم عليه من عبادة
الأوثان.
والغريب الذي يدعو للدهشة أسماء الأوثان المذكورة في سورة نوح "وقالوا لا تذرُنّ
وَداً ولا سُواعاً ولا يَغوث ويَعوق ونَسْراً" هذه الأوثان التي قالت السورة إن
نوحاً كان يحارب قومه في عبادتها، لم تكن أوثان قوم نوح، وإنما كانت أوثان العرب!
وهذا يؤكد الاختلاط والازدواج في السرد بين قصة نوح وقصة محمد، فتُسنِد السورةُ
لنوحٍ ما كان لمحمد، بصورة تجعلنا لا نستصوب تسمية السورة سورة ·نوح ولكن سورة محمد
!!
الأسطورة في القرآن
القرآن كتاب الله، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. إنه كلام الله
الحق، مجمع العلوم ومنتهاها. تلك أسطورة القرآن التي بددتها ورود الأسطورة نفسها
فيه!!
إن الباحث في آي القرآن يجده قد أورد ما ليس له صلة بالحقيقة التاريخية، فالمادة
التاريخية في القرآن قد جاوزت حدود الحق إلى الخرافة، وهو ما دفع المشركين
المناهضين للدعوة الإسلامية في مكة أن يقولوا إن القرآن ما هو إلا أساطير الأولين
(الأنعام 6: 25). فهل وردت في القرآن أساطير؟
لا بد من إيراد آيات القرآن التي تتحدث عن الأسطورة والأساطير:
"وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ
لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الْأَّوَلِينَ وَإِذْ قَالُوا
الَّلهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا
حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" (الأنفال 8: 31، 32).
بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَّوَلُونَ قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا
تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا
هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الْأَّوَلِينَ (المؤمنون 23:
81-83).
وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَّوَلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرةً
وَأَصِيلاً قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي ا لسَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً. (الفرقان 25: 5، 6).
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا
لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا
إِلاَّ أَسَاطِيرُ الْأَّوَلِينَ (النمل 27: 67، 68).
وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ
خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَّوَلِينَ
(الأحقاف 46: 17).
وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ
لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ
وَبَنِينَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَّوَلِينَ (القلم
68: 10-15).
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ
وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ
آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَّوَلِينَ (المطففين 83: 10-13).
هذه هي الآيات التي عرض فيها القرآن لهذه المسألة، ومنها نستنتج الآتي:
هذه الآيات كلها من القرآن المكي، حتى ما وُضع منها في سورة مدنية كالأنفال مثلاً،
فقد نصَّ العلماء على أن الآيات المشار إليها من السورة مكية، وإن كانت السورة
مدنية. والذي يُفهم من ذلك أن حديث المشركين عن أساطير الأولين في القرآن كان من
أهل مكة. ولم يقل بذلك أحدٌ في المدينة بعد الهجرة إليها.
الذين قالوا هذا الرأي هم في الغالب منكرو البعث والحساب، الذين لا يؤمنون بالحياة
الآخِرة. وهذا واضح من آيات سُور المؤمنون والنمل والأحقاف والمطففين .
كان المشركون يعتقدون بما يقولون اعتقاداً جازماً، وكانت الشبهة عندهم قوية. وذلك
واضح من الأنفال (8: 32) الَّلهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ
فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ.
لم ينْفِ القرآنُ عن نفسه وجود الأساطير فيه، وإنما حرص على أن ينكر أن تكون هذه
الأساطير هي الدليل على أنه من عند محمد وليس من عند الله، ولذلك فعند استعراض
الآيات السابقة نجد:
اكتفى القرآن بوصف هذا الصنيع من المشركين في آيات الأنفال والمؤمنون والنمل
والأحقاف، ولم يعقب على قولهم!!
اكتفى بتهديد القوم في آيات سورتي الأنعام والمطففين، وهو تهديدٌ يقوم على إنكارهم
ليوم البعث، أو على صدِّهم الناس عن ا تِّباع محمد، وليس تهديداً على قولهم بأن
الأساطير قد وردت في القرآن.
ولا يعرض القرآن للرد عليهم في قولهم إنه أساطير إلا مرة واحدة: وَقَالُوا
أَسَاطِيرُ الْأَّوَلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرةً وَأَصِيلاً
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (الفرقان
25: 5، 6). فهل هذا الرد ينفي ورود الأساطير في القرآن؟ إنه ينفي فقط أن تكون هذه
الأساطير من عند محمد، يكتتبها أو تُملى عليه، ويؤكد أنها وإن كانت أساطير فهي من
عند الله!
ولذلك نُعجب من تساؤل الإمام الرازي في تفسيره لهذه الآية، إذ يتساءل: كيف يكون قول
القرآن قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ (الفرقان 25:
6). إجابةً عن اتّهام المشركين للقرآن بأنه أساطير الأولين؟ . ذلك لأن المتبادَر
إلى الذهن، والذي كان يتوقعه الرازي وغيره، أن يكون ردّ القرآن نفياً لهذه التهمة
لا تأكيدها!
ونحن نرى أن إجابة القرآن هي الإجابة الطبيعية التي لا محيد عنها في هذا الموضوع،
لأن مدار الحوار في القرآن بين محمد والمشركين لم يكن عن ورود الأساطير في القرآن،
وإنما كان عن اتِّخاذهم ورودها دليلاً على أن القرآن من عند محمد لا من عند الله.
ومن هنا كانت إجابة القرآن!
وهنا يطرح سؤالٌ نفسه:
لماذا انقطع القول بالأساطير عندما انتقل محمد من مكة إلى المدينة؟
السبب واضح فيما أعتقد، فالبيئة التي انتقل إليها محمد كانت قد تثقَّفت ثقافةً
كتابية بفضل أهل الكتاب، فانتشرت الحقائق وسادت محل الأساطير والخرافات. وبما أن
القرآن نتاج بيئة ومُعبِّرٌ عنها، فقد اختفت الأساطير باختفاء بيئتها، ولم تكن
المدينة وسَطاً صالحاً لنمُّو مثل هذه الأحاديث!
والأغرب من موقف القرآن وردّه على مشركي مكة هو دفاع علماء المسلمين عن وجود أساطير
في كتابٍ موحى به من الله، فهم يرون أن القرآن استخدم الأساطير التي كانت تعرفها
البيئة العربية وقت نزوله تحقيقاً لعنصر التأثير في نفوس المعاصرين، وتمكيناً
للإيمان به في قلوبهم!
فهل يستقيم مع هذا التفسير الادّعاء بأنه كلام الله الذي نَزل من اللوح المحفوظ؟
إن الله أعظم من أن يلجأ في كتابه المنزَل لهداية الخلق جميعاً إلى استخدام الباطل
والأكاذيب ليجذب بها العرب من معاصري نزول القرآن، وهو يعلم أن هذا الكتاب سيؤمن به
غيرهم في أزمنة مختلفة وأماكن أخرى! وهل يُعقل أن الله لم يعلم حال من سيؤمن
بالقرآن من غير هؤلاء ممن تتكشف لهم حقيقة هذه الأساطير، كما زعم أصحاب هذه
النظرية؟
ويقودنا القول بذلك إلى سؤال بالغ الأهمية: كيف يلجأ الخالق إلى موافقة خيالات أو
أوهام العرب الجاهليين وقت نزوله، وهو القادر على أن يصوغ كتابه المنزل من الحقائق
المتفقة مع الواقع والتاريخ، التي تُحدِث أثرها من الموعظة والعِبْرة في نفس الوقت؟
الخطية والخلاص
يستعرض علماء الإسلام آيات القرآن التي تتحدث عن الخطية الأصلية لآدم وخلاص الجنس
البشري، ثم ينتهون إلى رأي خلاصته: إن آدم وزوجته كانا يسكنان الجنة، وإن الله
أمرهما أن يأكلا منها ما شاءا، إلا شجرة عيَّنها لهما. وعندما أصغيا إلى إبليس
استحقّا العقاب الإلهي )غير المحدَّد في القرآن(. لكنهما استغفرا ربهما وأقرّا
بذنبهما، فتاب الله عليهما. وكانت هذه الخطية والمعصية قبل أن يكون آدم نبياً.
فالقضية إذاً أن آدم عصى ربه، ثم تاب وأناب، وقُبلت توبته، فعاد الأمر كما كان،
وسارت الخطة الإلهية المرسومة لآدم وزوجته، فأنجبا نسلاً، وجاءت البشرية. فليس هناك
إرثٌ لخطية، وليس هناك بالتالي حاجةٌ لخلاص إلهي!!
والمسلمون يرفضون فكرة الخطية الأولى وتوارثها في بني آدم ويقولون: "لَا تَزِرُ
وَازِرةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (الأنعام 6: 164). و"كُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ
طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ" (الإسراء 17: 13). و"كُلُّ نَفْسٍ بَمَا كَسَبَتْ
رَهِينَةٌ" (المدثر 74: 38). ولكن علماء المسلمين بهذا ينكرون التأويل الصحيح لآية
الخطية وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا
رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ
الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا
فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ
مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ" (البقرة 2: 35، 36). فقد خاطب الله آدم وحواء
بصيغة الجمع "اهبطوا" بدلاً من "اهبطا" و"لكم" بدلاً من "لكما". ويقول علماء
المسلمين إن الخطاب بالجمع هو خطاب النيابة، لأنه (في رأيهم) جاء على سبيل التعظيم!
ويقولون إنه حتى لو كان آدم نائباً في الخطية بدليل قول القرآن "اهبطوا بعضكم لبعض
عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين فإن الآية التالية تقول فَتَلَقَّى آدَمُ
مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"
(البقرة 2: 37). فكما كان آدم بحكم الآية الأولى نائباً عن أبنائه في معصيته،
فلماذا لا يكون بحكم الآية الثانية نائباً عن نسله في توبته واستغفاره؟!
ويحتجّ علماء المسلمين دائماً بالعدالة الإلهية التي تقضي بألاّ يُحاسَب إنسانٌ
بذنب آخر، ويعوّلون كثيراً على آيات المسئولية الشخصية في الثواب والعقاب، والتي
أشرنا إليها سابقاً، لينتهوا إلى أن آدم وزوجته أخطآ وتابا، فتاب الله عليهما. فليس
هناك امتداد للقضية ولا إرث للخطية!
غير أننا إذا أمعنّا النظر في نصوص القرآن، وجدنا ما يثبت رأياً غير الذي ذهبوا
إليه، ويؤكد وجهة نظر طالما رفضوها وأنكروها!
وهذه مجمل آيات القرآن التي تتحدث عن خطية آدم:
"وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا
رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ ا لشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ
الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا
فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ
مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ
فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قُلْنَا ا هْبِطُوا مِنْهَا
جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" (البقرة 2: 35-38).
وفي سورة الأعراف: "وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ
حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ
الظَّالِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ
عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ
الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ
وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ
فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ
عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا
عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُّوٌ
مُبِينٌ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا
وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ
لِبَعْضٍ عَدُّوٌ وَلَكُمْ فِي ا لْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ قَالَ
فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ
أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ
التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ" (الأعراف 7: 19-26).
وجاء أيضاً: "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ
ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا
بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا
غَافِلِينَ" (الأعراف 7: 172).
"وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً…
فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُّوٌ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا
مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى
وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ
قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَى
فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ
عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ ا
جْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُّوٌ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ
اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى".
هذا مجمل حديث القرآن عن خطية آدم الأولى، ومنه نستنتج الآتي:
كان سكن آدم وزوجه الجنّة مطلَقاً غير مقيَّدٍ بزمن. قالت الآية: "وقلنا يا آدم
اسكُن أنت وزوجك الجنة". فلو لم يزلّهما الشيطان لبقيا فيها مع نسلهما خالدَيْن.
ولو كان مسكنهما مؤقّتاً مثل حال سكنهما في الأرض لجاز التحديد في الأولى كما جاء
في الثانية قوله: ·ولكم في الأرض مستقر ومتاعٌ إلى حين .
كان سكنهما الجنة تحت شرط الطاعة الكاملة لله، فلقد أمرهما الله بعدم الأكل من هذه
الشجرة. قال القرآن: "ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين". فلما أغواهما
إبليس أكلا من الشجرة التي قال إبليس عنها إنها شجرة الخلد، فصدر الأمر الإلهي لهما
بالهبوط.
في حالة الأكل من الشجرة واقتراف الإثم وإتيان المعصية كانا نائبين عن كل ذريتهما،
بدليل القول: "اهبِطوا، بعضكم لبعضٍ عدو" وقوله: "لكم في الأرض" فلو كان الكلام
موجَّهاً إلى آدم وزوجه فقط لجاءت الصيغة اهبطا ولكما أي صيغة المثنى لا الجمع.
وسورة طه 20 تقول: "اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُّوٌ" (آية
123). ونحن لا نلتفت كثيراً لتأويلات العلماء التي لا تُشبع العقل ولا يُؤيّدها
النقل، فلا نستسيغ أن يعظّم الله آدم وقد حكم عليه بالهبوط نتيجة اقترافه المعاصي.
فإن كان آدم جديراً بالتعظيم فهذا الموقف بالذات ليس محله ولا مكانه! أما قولهم إن
خطاب القرآن: "قلنا اهبطوا بعضكم لبعضٍ عدّو" كان خطاباً موجَّهاً للحاضرين وهم جمع
آدم - زوجته - إبليس - الحية فهو تأويل مضحك لأن الآية التالية تقول: "فإمّا
يأتينَّكم مني هدى، فمن تبع هداي فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون". فما هو الهدى
المنتظر أن تتبعه الحية أو إبليس؟!
واضح أن آدم وزوجته تعدَّيا نهي الله فاقتربا من الشجرة المنهي عنها، فكان قصاصهما
هو إيقاع العداوة والموت، فقد قيل: ·بعضكم لبعض عدو وهو ما يفيد العداء. وقيل:
·ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين وهو ما يفيد عدم الخلود في الأرض، بل الموت
صراحة. وإذا تأملنا في ذرية آدم وجدناها تتحمل ذلك القصاص عينه )عداءً وموتاً(.
فليس أمامنا إلا نتيجة من اثنتين: الأولى إن آدم وزوجه كانا نائبين عن نسلهما،
فيكون اشتراك النسل مع نائبه في القصاص حقاً وعدلاً. والثاني إن آدم وزوجه لم ينوبا
عن النسل، فيكون وقع قصاص الخطية التي ارتكبها آدم على من لم يشترك معه إثم عظيم
وظلم ظاهر.
أما التشبُّث بفكرة الغفران المباشر فتلقّى آدم من ربه كلمات فتاب عليه فليس له
معنى مع صدور الأمر الإلهي: "قلنا اهبطوا منها جميعاً" . فما معنى المغفرة مع
الإصرار على إيقاع القصاص على المذنب؟ وما معنى قبول التوبة مع عدم قبول إرجاعهما
إلى الجنة؟
إن التعويل على العدل الإلهي الذي لا يقبل أن يحاسب إنسان بذنب آخر تعويل على أساس
واهٍ. فإن كنا نقبل دون اعتراض أن يولد الابن وهو وارث عن أبيه أحد الأمراض
الوراثية، دون أن نرى في هذا ظلماً إلهياً، فلماذا نرفض حقيقة أننا نولد وقد ورثنا
عن أبينا إثمه وخطيته؟
لم تكن فكرة توارث الخطية الأولى فكرة غريبة على الفكر الإسلامي بل نجد من الفقهاء
من يؤصّلها ويؤكدها ويقدم الدلائل والبراهين عليها. فيقول ابن الأثير في "الأصول" :
"إن محمداً قال: إذا حلّت الخطية في الأرض كان مَن شهدها فأنكرها كمن غاب عنها.
ومَن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها". ثم يقول: "فإن قلت إن ظاهر قوله وَاتَّقُوا
فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً" (الأنفال 8: 25).
يشمل الظالم وغير الظالم؟ فكيف برحمة الله وكرمه أن يوصل الفتنة إلى من لم يذنب؟
ويجيب ابن الأثير إنه تعالى مالك الملك وخالق الخلق، وهم عبيده وفي ملكه، يتصرف
فيهم كيف شاء، ولا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون. فيحسن منه على سبيل الملكية، أو
لأنه تعالى علم اشتمال ذلك على نوع من أنواع المصلحة!
أما ابن حزم فيقول إن آية "وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى" (النجم
53: 39). فقد نُسخت بقوله: "وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ
بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ
مِنْ شَيْءٍ" (الطور 52: 21). وهذه الآية تجعل الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه،
ويشفع الله الآباء في الأبناء والأبناء في الآباء.
ويقول القرآن: "إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ
رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" (الأعراف 7: 152). فقد كان محمد
يتَّهم يهود عصره بأنهم عبدوا العجل، مع أن آباءهم هم الذين عبدوه، فقال: "إنّ
الذين اتَّخذوا العجل". قال ابن عباس: "هم الذين أدركوا النبي، وآباؤهم هم الذين
عبدوا العِجل!"
وقد فسَّر بعضهم: سينالهم غضبٌ من ربهم وذِلّة في الحياة الدنيا بما لحق بيهود بني
النّضير وبني قُريْظة وخَيْبر من القتل والطرد، ولا يصحّ أن يُقال إنه حديث تاريخ،
أي حديث عن اليهود الذين كانوا، وإلا فما معنى فسينالهم فهذا حديث المستقبل لا
الماضي!
وفكرة توارث الخطية الأولى واضحة في الحديث الذي رواه أبو هريرة عن محمد يقول: لما
خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط مِن ظهره كل نسمة هو خالقها مِن ذريته إلى يوم
القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان وبيصاً من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: أي ربّ،
مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك.
فرأى آدم رجلاً منهم، فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: يا رب، من هذا؟
قال: داود.
قال: رب كم جعلت عمره؟
قال: ستين سنة.
قال: يا رب، زِدْه من عمري أربعين سنة.
فلما انقضى عمر آدم إلا أربعين جاء ملك الموت، فقال آدم: أولم يبق من عمري أربعون
سنة؟
قال: أولم تعطها ابنك داود؟
فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فأكل من الشجرة فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته
(أخرجه الترمذي وابن ماجه).
الصَّليب
حديث القرآن عن صلب المسيح وقيامته يثير كثيراً من الجدل بين أطراف القضية، فالبرغم
من أن القرآن - كما يقول المسلمون - أتى للمسلم بما اختلف فيه أهل الكتاب، إلا أنه
لم يأت بالقول الفصل في قضايا تاريخية كثيرة، كانت تثير نقاشاً واسعاً في عصره. ومن
ذلك قضية الصلب. فالنص القرآني له وُجهة، والمفسّر له وجهة ثانية، ورأي العوام وجهة
ثالثة. وما أبعد الشقَّة بين الأوجه الثلاثة! فنصوص القرآن التي تناولت هذه القضية
هي:
:وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً"
(مريم 19: 33).
"وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ا لْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ
الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ
اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ" (البقرة 2: 87).
" إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ
الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (آل عمران 3: 55).
"وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ
اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا
يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ… وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً
مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (المائدة 5: 116، 117).
هذه النصوص القرآنية توضح أن المسيح ·مات وإن كانت لا توضح كيفية الموت. ولكن شذَّت
عن هذا السياق، آية واحدة هي النساء 157:4"وما قتلوه وما صلبوه... وما قتلوه
يقيناً".
فكيف عالج المفسّرون المسلمون هذا التناقض؟
قال بعضهم إن الوفاة التي جاء ذكرها في الآيات السابقة لا تعني الموت، بل تعني
·وفاة النوم . واستشهدوا على ذلك بقول القرآن: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ
بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ" (الأنعام 6: 60)، وفات هؤلاء
المفسرين أن القرآن استخدم كلمة الوفاة بمعنى الموت الحقيقي أكثر من خمس وعشرين
مرة، كما في (المائدة 5: 117) "وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي…" فالوفاة هنا عكس الحياة، فهي تعني الموت الحقيقي.
وقالوا أيضاً إن النساء 4: 157 نسخت آيات الوفاة، وهو تأويل واضح البطلان، فمن
المعروف أنه إذا جاز النسخ في الأحكام والمعاملات فلا يجوز في الأخبار والتاريخ!
اختلاف التكامل
ونحن نرى أنه لا تناقض البتة بين النصوص، وإنما هو اختلاف التكامل لا التناقض،
فالآيات الأربع السابقة تحدثت عن موت المسيح، أما النساء 4: 157 ففصَّلت كيفية
الموت. ومعروف أن بالقرآن ·المحكم والمتشابه فالمحكم هو النص القرآني القاطع المانع
الذي لا يحتمل التأويل. أما المتشابه ·فهو النص القرآني الذي يحتمل التأويل
والتفسير على أكثر من وجه .
ومن أمثلة المحكم في القرآن قوله: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" (الشورى 42: 11) ومن
أمثلة المتشابه قوله: "يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ" (الفتح 48: 10).
وعلاقة المحكم بالمتشابه - كما حدّدها علماء المسلمين - أنه ينبغي أن يُردَّ
المتشابه إلى المحكم ويُفسَّر بناءً عليه.
وهنا نطرح هذا السؤال: هل كان حديث القرآن عن الصلب ونهاية المسيح من النصوص
المحكمة أم المتشابهة؟
يقول القرآن عن نفسه: "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً
لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ" (المائدة 5: 48).
وقد فسر المسلمون الهيمنة على أنها تصحيح لما فسد من العقائد السابقة، وتوضيح لما
غمض منها. فيكون القرآن مصحِّحاً وموضِّحاً.
فهل قام القرآن فعلاً بهذه المهمة الأستاذية؟ إن الواقع القرآني يقول غير ذلك،
فبالرغم من أن القرآن ظهر في وقتٍ اشتدَّت فيه المناقشة واحتدم فيه الجدال حول
المسيح، لم يبيِّن القرآن حقيقة أمر المسيح بنصوص قاطعة، فلم يذكر مثلاً من هو
الشبيه الذي صُلب بدل المسيح.
وإن كان المسيح لم يُقبر ولم يقم، فلماذا لم يقل القرآن أين ذهب المسيح وأين عاش؟
ولماذا لم يطرح القرآن حلاً للغز القبر الفارغ؟
وإن كان اتهام القرآن للكتاب المقدس أنه كتاب محرَّف )كما يقول المسلمون( فلماذا لم
يخبرنا بمَن حرَّفه، وما هي النصوص التي حُرِّفت؟ ومتى حُرفت؟ وأين حُرفت؟ وما
صحيحها؟
إن حديث القرآن عن العقائد المسيحية جاء في أكثره غامضاً مبهماً. لقد جاء القرآن
وقد شاع القول بألوهية المسيح، فلماذا لم تكن النصوص التي تناولت هذه القضية واضحة
النفي، إن كان يؤيِّد هذا النفي؟ لقد جاء حديثه مبهماً متشابهاً:
"إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ
أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ" (النساء 4: 171).
إن الطريقة التي اتبعها القرآن عند الحديث عن عقائد الكتاب المقدس جعلتنا نجزم أنها
تدخل في دائرة الآيات المتشابهة التي يجوز فيها التأويل، فإذا عدنا إلى آيات القرآن
عن موت المسيح، نجد آيات الوفاة صريحة في جزمها بأنه مات أما النساء (4: 157، 158)
"وَقَوْلِهِمْ (أي اليهود) إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ
الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَالَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا
اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ
وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً". وهذه مِن متشابه القرآن التي ينبغي أن تُرد
إلى آيات الوفاة الصريحة الواضحة فكيف نفسّرها طِبقاً لآيات الوفاة؟
إن النفي الواقع في الآية "وما قتلوه وما صلبوه" ليس نفياً واقعاً على الحدث بل
نفياً للآثار المترتِّبة عليه فالآية موجَّهة لليهود الذين ظنوا أنهم بصلب المسيح
وقتله على الصليب قد أبادوا ذكره نهائياً، وتخلصوا من دعوته فهم وإن كانوا قد مكروا
لقتل المسيح، ظانين أنهم سيقضون عليه قضاءً مبرماً، إلا أن الله خيَّب مكرهم
فرَفَعه من بين الأموات، فقام منتصراً على الموت "وما قتلوه وما صلبوه يقيناً بل
رفعه الله إليه".
فالقرآن ينفي الآثار المترتبة على الحدث، لا الحدث نفسه تاريخياً. فقد خُيِّل إليهم
أنهم قتلوه، وما لهم به من علم إلا اتِّباعَ الظن، أي أن اليهود اختلفوا في قتله
وإبادته نهائياً، لأنهم عرفوا بقيامته، وتأكد لديهم أنهم لم يقتلوه يقيناً، ولم
ينتهِ ذكره بصلبه - لماذا؟ لأن الله رَفَعَه إليه، وكان الله عزيزاً حكيماً.
الجهل والأُميَّة
تعتمد مجادلات الإسلاميين وكتاباتهم في إثبات الوحي القرآني على أمّية محمد وجهله
بقواعد القراءة والكتابة. فهل كان محمد أمياً بمعنى أنه لا يقرأ ولا يكتب؟ وما
الأسباب التي دفعت المسلمين إلى الاعتقاد بأمية قائدهم؟
لا تجزم الشواهد التاريخية بالنفي أو الإيجاب في هذه القضية. فرغم أن مؤرخي السيرة
المحمدية يؤكدون أمية محمد، وأنه لم يذهب لمعلم قط، ولم يتلقَّ تعليماً من بشر، إلا
أن هناك شواهد ذكرها هؤلاء المؤرخون أنفسهم، تؤكد علم محمد بقواعد القراءة
والكتابة.
هذا التناقض البيِّن في منقولات التاريخ دفع المعاصرين أن يعتقدوا أن محمداً لم يكن
أمياً، أي جاهلاً بقواعد الكتابة طوال حياته، بل أنه تلقَّى العلم من الله عن طريق
جبريل.
يقول الحافظ بن حجر: "كان النبي أمياً وذلك بسبب الإعجاز. ولما اشتهر الإسلام
وأَمِنَ الارتياب عرف حينئذ الكتابة"!.
يقول ابن شيبه: "ما مات رسول الله (ص) حتى كتب وقرأ".
وقال الطبرسي: "فأما بعد النبوة فلا تعلق به الشك والتهمة، فيجوز أن يكون قد تعلم
الكتابة".
إذاً هناك شواهد قاطعة بعلم محمد، لا بأميته، دفعت العلماء الإسلاميين أن يعتقدوا
أنه تعلم بعد النبوة، ولكنهم لا يقفون على أرض صلبة، إذ لا يؤيدهم دليل قرآني ولا
إقرار نبوي من فم محمد نفسه، وإنما هو اجتهادٌ منهم لتبرير ما رواه التاريخ من
حوادث تنفي صفة الأمية عن محمد!
جاء في كتاب الرسم العثماني للدكتور محمد بن عبد الله عثمان "كان الرسول (ص) يضع
الدستور لكتابة الوحي في رسم القرآن وكتابته، ومن ذلك قول لمعاوية: "إلق الدواة
وحرف القلم، وانصب الباء وفرق السين ولا تعوّر الميم وحسِّن الله ومدّ الرحمن
وجوِّد الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك"!.
فهذا اقتباس يوضح ضلاعته في فن الكتابة، يستشهد به العلماء بموافقة محمد لهجاء
المصحف بما عليه من أخطاء إملائية. وهذا يؤكد أن ورود الأخطاء الإملائية في المصحف
هو نتيجة مباشرة لقصر باع العرب القريشيين في فن الكتابة بمن فيهم محمد نفسه. فهل
يقبل المسلمون أن نقول إن جبريل قد قصَّر في حقّ محمد عندما لم يُحسن تعليمه؟!
ومما ترويه كتب السيرة أن محمداً هو الذي كان يكتب كتاب صلح الحديبية بيده الشريفة.
وجاء في سيرة ابن هشام: "وفينا رسول الله (ص) يكتب الكتاب هو وسهيل".
وجاء في البخاري: "وأخذ رسول الله (ص) الكتاب ليكتب فكتب هذا ما قاضى عليه محمد...
. كما جاء في الطبري (ج3 -ص80) لما اشتد وجعه (في أيامه الأخيرة) قال: "ائتوني
بالدواة والكتب، أكتب لكم كتاباً لا تضلوا معه بعدي أبداً".
وفي حديث أبي بكر أن رسول الله "دعا في مرضه بدواة ومزبر (أي قلم) فكتب اسم الخليفة
بعده . أما الهمذاني في كتاب "الإكليل" فقد قال إن العرب كانت تسمي كل من قرأ الكتب
أو كتب، ·صابئاً وكانت قريش تسمي النبي (ص) أيام كان يدعو الناس بمكة ويتلو القرآن
صابئاً .
وقد يكون ما سبق من روايات مناقضاً لرواية تاريخية شهيرة، وهي كما يقول المؤرخون
أول لقاء بين محمد وجبريل عندما سأله جبريل: إقرأ فأجاب ما أنا بقارئ .
فهذه الرواية تخالف ما قطعت به الروايات السابقة. قد يكون هذا صحيحاً، ولكن الطبري
يروي الحادثة بما يتفق مع ما ذهبنا إليه، فيروي أن ابن الزبير يقول: "قال رسول الله
(ص): فجاءني وأنا نائم نبي من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ. فقلت: ما أقرأ؟ فغطَّني
حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: إقرأ، فقلت: ماذا أقرأ؟ قال: اقرأ باسم ربك
الذي خلق.. الخ .
ولنا أن نتساءل: وهل كان جبريل وربُّه - حسب الرواية الأولى - لا يعلمان بأمية محمد
حتى يقول له جبريل: اقرأ، فينتظر إجابة محمد بنفي علمه بالقراءة؟! إن الأقرب إلى
المنطق أن جبريل وهو رسول الله إلى محمد كان ينبغي عليه أن يهوّن من شدّة الأمر
وهول الموقف، فيثبت له رسوليته عن طريق إخباره بأنه أمي (لو كان الأمر كذلك) وأنه
يعلم عدم قدرته على القراءة والكتابة، ولذلك فسوف يعلّمه إياها.. هذا ما يقرّه
العقل ويأبى غيره المنطق. أما ما عدا ذلك فهو استخفافٌ بالعقل وتحريفٌ للنقل
أيضاً!!
وقد زُعِم أن هذه الشواهد كافية لدفع شبهة الأمية عن محمد، فلماذا يتمسك المسلمون
بأمية محمد؟
كان قصد المسلمين في إثبات أمية محمد إقامة البرهان على معجزة القرآن ومصدره
الإلهي، وبسبب هذه المعجزة حُكم على مكة أنها سقطت في الجهل والغباوة، وعمَّ الجهل
والكفر عصر ما قبل الإسلام. وبسببها قلب الله نظام الكون فوضع الفصاحة على لسان
أُمّي، ووضع العلم حيث الجهل والإيمان حيث الكفر!!
ولنا حق السؤال: هل يعلّي من شأن الدين أن يُبنى على بدائية البشر، ويفتخر بتعاليمه
على بداوتهم؟ وهل لم يكن في مقدور الله أن يثبت فصاحة القرآن في قومٍ متحضّرين،
ويجريه على لسان متعلم لا أمي دون أن يقدح ذلك في صُلب المعجزة وجوهرها؟
لم يكن الإسلاميون ليعتقدوا هذا لولا بعض آيات القرآن التي دلَّ ظاهرها على أمية
محمد، وإن كان باطنها ينفي ذلك!
قوم موسى والنبي الأمي
يقول القرآن في سورة الأعراف 7: 156-158 في قصة موسى مع قومه: "وَاكْتُبْ لَنَا فِي
هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ
عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الّزَكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ
بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ
الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ
يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ
الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعّزَرُوهُ
وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ
جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ ا لْأُمِّيِّ ا
لَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" .
إن حديث القرآن عن النبي الأمي لا وجود له على الإطلاق إلا في هذا النص الوحيد، رغم
أن الأسلوب القرآني فيه تكرار بأساليب مختلفة للترسيخ في أذهان السامعين، كما
يقولون.
إن حديث النبي الأمي يناقض حديث موسى وخطابه لله في آية القرآن السابقة، فموسى
وقومه في ميقاتهم أخذتهم الرَّجفة فأخذوا يصلون ويقولون: "واكتب لنا في هذه الدنيا
حسنة وفي الآخرة. إنَّا هُدْنا إليك" . كان اليهود يشتقّون اسمهم من الهدى، والهدى
كناية موسى "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى" (غافر 40: 53). ويشتقون الهدى من
اسمهم فالتورية هُدْنَا بارعة، فموسى وقومه يطلبون من الله تسجيل يهوديتهم حسنةً
لهم، فيجيبهم الله بقوله أولاً: بأن الحسنة لأهل التُّقى والزكاة والإيمان، هذه
الحسنة ستُكتب للذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة
والإنجيل! فما على موسى وقومه إلا أن ينتظروا نحو ألفي سنة حتى تقوم لهم حسنة
بالإيمان بمحمد! فهل من المعقول أن يجيب الله دعاء موسى وقومه لربهم بأن الهداية
ليست في الموسوية بل في اتِّباع محمد النبي الأمي الذي لم يجئ بعد؟!
وهل يقول الله في ردّه على صلاة موسى إن محمداً مكتوب في التوراة والإنجيل! وأين
كان الإنجيل في زمن موسى حتى يحدِّث الله عنه موسى وقومه؟
معنى الأمية في القرآن
إن كلمة الأمي الواردة في النص لا تعني، بحسب القرآن نفسه، عدم الإلمام بالقراءة
والكتابة، إنما تعني من ليس له كتابٌ منزَل، فاليهود وأتباع إسحاق بن إبراهيم هم
·كتابيون في حين أن العرب وأتباع إسماعيل بن إبراهيم هم أميون. ودل القرآن على هذا
التمييز دلالة واضحة وصريحة: فهو يدعو الكتابيين والأميين إلى اتِّباع الإسلام.
"وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمّيِينَ أَأَسْلَمْتُمْ؟" (آل عمران
3: 20). وهو يشير إلى تمنّي الأميين لمعرفة الكتاب وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا
يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ (البقرة 2: 78). ويفخر بأن بعث الله
رسولاً من غير الكتابيين، فيقول: "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً
مِنْهُمْ" (الجمعة 62: 2). وقد عرف أهل الكتاب أن التمييز بينهم وبين الأميين شيء
محتوم.
قالوا: "لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ا لْأُمِيِّينَ سَبِيلٌ" (آل عمران 3: 75).
بهذا المعنى القرآني الصحيح يجب أن نفهم قول القرآن عن أمية محمد، فالأميون هم
العرب أبناء إسماعيل، والكتابيون هم اليهود أبناء إسحاق، وبالتالي فإن أمية محمد لا
تعني جهله بالقراءة والكتابة بقدر ما تعني انتماءه إلى العرب الأميين أبناء
إسماعيل، الذين ليس لهم من الله كتاب منزل. يقول الشهرستاني: "كان أهل الكتاب
ينصرون دين الأسباط، ويذهبون مذهب بني إسرائيل. وكان الأميون ينصرون دين القبائل،
ويذهبون مذهب بني إسماعيل".
الحرب والقتال
عند النظر في بواعث وأسباب القتال في المعتقد الإسلامي نجد مختلف الاتجاهات
والميول، ولا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نعود بها في جملتها إلى ·رجاء وجه الله
فبواعث الجهاد لم تكن يوماً خالصة لوجه الله كما يتصور ذلك ويصوّره كُتّاب هذا
الدين، حتى في عصر صحابة محمد، ولا في عهد محمد نفسه! ومرجعنا في ذلك القرآن نفسه،
فهو يصور لنا جانباً من هذه البواعث التي تكذِّب ما ادّعاه بعض منظِّري الحركة
الإسلامية.
فقد جاء في القرآن في سورة آل عمران: أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ
أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ!
(آل عمران 3: 165).
وجاء فيها، تعقيباً على أحداث غزوة أُحُد: "مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ" (آل عمران 3: 152). فقد جاءت هذه الآيات في
حقّ المسلمين المشاركين في غزوة أحد التي هُزم فيها المسلمون، لتناقش أسباب
الهزيمة، فقد حاربوا وهُزموا لأنهم كانوا يريدون الدنيا قل: هو من عند أنفسكم .
ويصوِّر القرآن حالة الجشع التي كانت تنتاب المسلمين عند خروجهم للقتال، فيقول
القرآن: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِناً
تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ"
(النساء 4: 94).
ويفرض الإسلام ثلاثة بدائل على غير المسلمين، له حرية اختيار أحدها:
الدخول في الإسلام ولهم مالنا وعليهم ما علينا .
دفع الجزية حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون (التوبة 9: 29).
الحرب والقتال.
غير أن المسلمين لم يكونوا راضين بدخول الأمم الإسلام دون حرب، لأن في ذلك حرماناً
لهم من ·غنيمة الحرب التي شُرِّعت لهم وأحلَّها القرآن. فعندما حاربوا إحدى القبائل
اليهودية، أعلنت إسلامها خوفاً من الدمار والخراب على يد المسلمين، فلم يقبل
المسلمون إسلام هذه القبيلة وقاتلوها. فلما شاعت هذه الرواية وتحدث الناس بما فعله
المسلمون أراد القرآن أن يحفظ ماء وجه أتباعه، فعاتبهم عتاب المدلِّل ولا تقولوا
لمن ألقى إليكم السلام لستَ مؤمناً.
فالغنائم التي كانت ثمار الحرب والقتال كانت من أهم بواعث خروجهم من مكَّتهم
ومدينتهم شاهرين سيوفهم في وجه الجميع!
ويضع القرآن أيدينا على أهم البواعث التي من أجلها يخرج المسلم مقاتلاً، ألا وهي
نشر كلمة الله، فعلى حد السيف وبالسيف يُنشر القرآن، وهو وسيلة معتمدة شرعية في نشر
كلماته وآياته بل "إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ" (التوبة 111:9).
وعند قضية بواعث الحرب والقتال في الإسلام نجد رأيين هما:
لا قتال إلا للدفاع عن الأرض والوطن والعرض والدين، ويؤمن بهذا الرأي عدد من علماء
الدين الإسلامي، وهم قلَّة مرفوضة لمخالفتها لنصوص القرآن القاطعة.
القتال، لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى (التوبة 9: 40) وهو
رأي تتبنّاه كل فصائل التيار الإسلامي، بعد أن وضع عملاق الفكر الحركي السيد قطب
مؤلفاته كلها لشرح قضية الحاكمية وهي قضية وثيقة الصلة بموضوع الجهاد في الإسلام.
ويرى السيد قطب أن المهزومين روحياً وعقلياً ممن يكتبون عن الجهاد في الإسلام
ليدفعوا عن الإسلام تهمة أنه انتشر بالسيف، يخلطون بين منهج القوة في شرعيّة الجهاد
وبين النص على استنكار الإكراه في العقيدة، وهما أمران لا علاقة بينهما. ومن أجل
هذا الخلط يحاولون أن يحصروا الجهاد في الإسلام فيما يسمُّونه اليوم الحرب
الدفاعية. (من كتاب ·معالم في الطريق لسيد قطب).
والجهاد في الإسلام أمر لا علاقة له بحروب الناس ولا ببواعثها. إن بواعث الجهاد
تنبع من أن هذا الدين إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للبشر، وردّه إلى
عبودية الله وحده. ومن ثمَّ لم يكن بدٌّ للإسلام أن ينطلق في الأرض لإزالة الواقع
المخالف لذلك الإعلان العام بالبيان والحجة والمنطق فقط، بل عليه أن يوجّه الضربات
للقُوى السياسية التي تُعبِّد الناس لغير الله، أي تَحْكمهم بغير شريعة الله
وسلطانه.
فالإسلام لا يُكرِه الناس على اعتناق عقيدته، ولكنه ليس مجرد عقيدة. إن الإسلام
إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد، فهو يهدف ابتداءً إلى إزالة الأنظمة
والحكومات التي تقوم على أساس حاكمية البشر للبشر، وعبودية الإنسان للإنسان، ثم
يطلق الأفراد بعد ذلك أحراراً في اختيار العقيدة التي يريدونها. إن المد الإسلامي
ليس في حاجة إلى مبررات أدبية له أكثر من المبررات التي حملتها النصوص القرآنية
"قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلاَ
يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ
مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ
صَاغِرُونَ" (التوبة 29:9). وتقوم في وجه الانطلاق بالمذهب الإلهي عقبات مادية من
سلطة الدولة ونظام المجتمع وأوضاع البيئة، وهذه كلها هي التي ينطلق الإسلام ليحطمها
بالقوة ليخلو له وجه الأفراد من الناس، يخاطب ضمائرهم وأفكارهم بعد أن يحررها من
الأغلال المادية، ويترك لها بعد ذلك حرية الاختيار. (سيد قطب ـ مرجع سابق)
والخلاصة:
إن أهم المبررات التي تسوقها الحركة الإسلامية لإعلان القتال هو اعتقادهم بأنهم
أوصياء على العالمين، وأنهم مطالبون برفع الظلم الواقع على البشر على مختلف أنواعه.
وأشد أنواع الظلم كما يرونه هو خضوع الإنسان للأنظمة والقوانين الوضعية، إذ أن
انتزاع حق الله وإعطاءه لبشرٍ مخلوق هو ظلمٌ للمحكومين، لأنهم بخضوعهم للقوانين
البشرية يؤلّهون إنساً ويعبدونه من دون الله، فالقتال واجب لرفع هذا الظلم وإقامة
العدل المتمثِّل في شرع الله المنزَل في القرآن. وعلى ذلك فالقتال هو القاعدة،
والسلم هو الاستثناء، لأن العالم لا يمكن أن يخلو من قوانين بشرية.
اليوم الآخِر
الإيمان باليوم الآخِر أحد ستة معتقدات أساسية ينبغي على المسلم الإيمان بها، هي:
·الله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر...
جاء في الحديث الصحيح الذي أورده "ابن حجر العسقلاني" في كتابه "جامع العلوم
والحكم" في الحوار الذي دار بين جبريل ومحمد عندما جاء جبريل متنكراً في شكل أعرابي
يسأل عن فرائض الإسلام والإيمان ليعلّم المسلمين أمور دينهم:
·قال: فأخبِرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر،
وتؤمن بالقدر خيره وشره .
"الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا
أُنْزِلَ مِنْ قَبْلكَِ وَبِالَآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ" (البقرة 2: 3، 4).
والعقيدة باليوم الآخِر هي الوحيدة التي حازت النصيب الأوفر من الأحاديث والمرويّات
غير المعتمدة، أو حسب تعييرهم ·الأحاديث الموضوعة . فقد أُحيط اليوم الآخر في
الإسلام بسياجٍ سميك من الخرافات والأوهام جعله عقيدة نشازاً عن مثيلتها في معتقدات
الأديان الأخرى.
فالجنة كما يعتقدون في السماء السابعة، أما النار ففي الأرض السابعة!!
وجاء أيضاً أن جهنم تسكن تحت البحر! وجهنم لا تزال تطالب بالمزيد حتى يضع ·الله
·قدمه فيها فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط، قط. بعزتك وكرمك! أما القمر والشمس
فسوف يُلقون في جهنم لأنهما عُبدا من دون الله!
والنار تشكو إلى الله لأن بعضها يأكل بعضها، فيستجيب الله لشكواها فيجعل لها
نَفَسين نفساً في الشتاء وآخر في الصيف!
ويخرج عنقٌ من النار له عينان تبصران ولسان ينطق، يقول: "وكلت بمن جعل مع الله
إلهاً آخر!" ويزول وجه الغرابة إن عرفنا أن الأحاديث التي روت هذه الخرافات كانت في
مجملها أحاديث موضوعة، أو ضعيفة الإسناد، غير أن هذه الغرابة لا تلبث أن تعود عندما
نذكر عدداً من الأحاديث في كتب الصحاح، والتي يعتقد المسلمون أنها أحاديث صحيحة
المتن والسند، ولا يقل مضمونها الغريب الشاذ عن الأحاديث التي ذكرناها إن لم تكن
أكثر غرابة، منها:
جاء في كتاب "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة" (للإمام القرطبي) ما نصه ص
789:
"خرَّج ابن ماجة حديث فاطمة بنت قيس: قال: صعد رسول الله المنبر، وكان لا يصعد عليه
مثل ذلك اليوم إلا يوم الجمعة. فاشتدَّ ذلك على الناس، فمن بين قائم وجالس، فأشار
إليهم بيده أن اقعدوا، فوالله ما قمتُ مقامي إلا لأمرٍ ينفعكم، لا رغبةً ولا رهبة
ولكن. تميم الدري أتاني فأخبرني خبراً منعني القيلولة من الفرح وقُرة العين، فأحببت
أن أنشر عليكم فرح نبيّكم إلا أن ابن عمٍ لتميم الدري أخبرني أن الريح ألجأتهم إلى
جزيرة لا يعرفونها، فقعدوا في قوارب السفينة فخرجوا بها، فإذا هم بشيء أهدب أسود
كثير الشعر. قالوا لها: ما أنت؟! قالت: أنا الجسَّاسة.. قالوا: أخبرينا. قالت: ما
أنا مخبرتكم شيئاً ولا سائلتكم. وليكن هذا الدير قد رهقتموه فائتوه، فإن فيه رجلاً
بالأشواق إلى أن تخبروه ويخبركم. فأتوه فدخلوه عليه. فإذا هم بشيخٍ موثق شديد
الوثاق، مُظهر الحزن شديد التشكي، قال لهم: من أين؟ فقالوا: من الشام. فقال: ما
فعلت العرب؟ قالوا: نحن قوم من العرب، عمَّ تسأل؟ قال: ما فعل الرجل الذي خرج فيكم؟
قالوا: خيراً، أتى قوماً فأظهره الله عليهم. فأَمْرهم اليوم واحد. إلههم واحد
ودينهم واحد ونبيّهم واحد. قال: ما فعلت عين زغر؟ قالوا: خيراً، يسقون منها لزروعهم
ويستقون منها لشعبهم. قال: ما فعل نخل بين عمان وبيسان؟ قالوا: يطعم ثمره كل عام.
قال ما فعلت بحيرة الطبرية؟ قالوا: تدفق بجنباتها من كثرة الماء. قال: فزفر ثلاث
زفرات ثم قال: لو انفلتُّ من وثاقي هذ لم أدع أرضاً إلا وطئتها برجليَّ هاتين إلا
طيبة ليس لي عليها سبيل.
قال النبي (ص) إلى هذا انتهى وحيي هذه طيبة. والذي نفسي بيده ما فيها طريق ضيق ولا
واسع ولا سهل ولا جبل إلا وعليه مَلَك شاهرٌ سيفه إلى يوم القيامة".
ثم يعلّق الإمام القرطبي على هذا الحديث بقوله: ·هذا حديثٌ صحيح، وقد خرَّجه مسلم،
والترمذي، وأبو داود وغيرهم رضي الله عنهم !
فبالرغم من صحة هذا الحديث سنداً ومَتْناً، إلا أنه لا يخلو من الغرائب التي قد لا
نجد نظائرها إلا في أحاديث العجائز! فالحديث يقر حديث الدابة الجسَّاسة للصحابة
بلغةٍ يفهمونها، ثم مقابلة هؤلاء الصحابة للمسيح الدجال الموثق بالسلاسل في أحد
الكهوف إلى أن تقوم الساعة!
مصادر المفهوم الإسلامي لليوم الآخر
للعقل البشري الميّال إلى الجنوح للأساطير والخيال دور بارز في تشكيل المفهوم
الإسلامي لعقيدة اليوم الآخر، إلا أن هناك مصادر أخرى لهذا المفهوم، منها النقل
المباشر من الكتاب المقدس:
ففي وصف القرآن لأهوال القيامة يقول: إنه في هذا اليوم يحدث برق ورعد ومخاوف عظيمة،
ويُنقر في الناقور ويُنفخ في الصُّور، وتُسمع صيحة في كل مكان تهتز بها الأرض
وترتجف فرائض البشر وتخشع لها أبصارهم. فيه تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا
أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا" (الحج 22: 2). يَجْعَلُ ا
لْوِلْدَانَ شِيباً (المزمل 73: 17) وفيه "يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ
وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ
شَأْنٌ يُغْنِيهِ" (عبس 80: 34-37). وفيه أيضاً: "لاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً"
(المعارج 70: 10) "ويَوْماً لاَ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ
هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً" (لقمان 31: 33". "ويَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلىً
عَنْ مَوْلىً شَيْئاً" (الدخان 44: 41). أنه يوم لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ
شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ
يُنْصَرُونَ (البقرة 2: 123).
ويصّور الإنجيل هذا اليوم، فيقول المسيح:
"وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الْإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلَائِكَةِ
الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ.
وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ
كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ، فَيُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ
يَمِينِهِ وَالْجِدَاءَ عَنِ الْيَسَارِ. ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ
يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا ا لْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ
لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. لِأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ
فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيباً فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَاناً فَكَسَوْتُمُونِي.
مَرِيضاً فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوساً فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ. فَيُجِيبُهُ
الْأَبْرَارُ حِينَئِذٍ: يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعاً فَأَطْعَمْنَاكَ،
أَوْ عَطْشَاناً فَسَقَيْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيباً فَآوَيْنَاكَ، أَوْ
عُرْيَاناً فَكَسَوْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضاً أَوْ مَحْبُوساً
فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟ فَيُجِيبُ الْمَلِكُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا
أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلَاءِ الْأَصَاغِرِ، فَبِي
فَعَلْتُمْ. ثُمَّ يَقُولُ أَيْضاً لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي
يَا مَلَاعِينُ إِلَى النَّارِ الْأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لِإِبْلِيسَ
وَمَلَائِكَتِهِ، لِأَنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي. عَطِشْتُ فَلَمْ
تَسْقُونِي. كُنْتُ غَرِيباً فَلَمْ تَأْوُونِي. عُرْيَاناً فَلَمْ تَكْسُونِي.
مَرِيضاً وَمَحْبُوساً فَلَمْ تَزُورُونِي. حِينَئِذٍ يُجِيبُونَهُ هُمْ أَيْضاً:
يَارَبُّ مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعاً أَوْ عَطْشَاناً أَوْ غَرِيباً أَوْ
عُرْيَاناً أَوْ مَرِيضاً أَوْ مَحْبُوساً وَلَمْ نَخْدِمْكَ؟ فَيُجِيبُهُمْ:
الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ لَمْ تَفْعَلُوهُ بِأَحَدِ هؤُلَاءِ
الْأَصَاغِرِ فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا. فَيَمْضِي هؤُلَاءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ
وَالْأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (متى 25: 31-46).
وفي يوم القيامة - كما يصوِّره القرآن - يحضر الناس أمام الله أشتاتاً ليروا
أعمالهم ويكون الفصل بين الأبرار أصحاب ·اليمين والأشرار أصحاب ·الشمال وتُكشف
الأعمال والخفيات بحسب كتاب الأعمال، لأن لكل إنسان كتاباً خاصاً تُدّوَن فيه
أعماله.
ويقول الإنجيل في ذلك:
"ثُمَّ رَأَيْتُ عَرْشاً عَظِيماً أَبْيَضَ، وَالْجَالِسَ عَلَيْهِ الَّذِي مِنْ
وَجْهِهِ هَرَبَتِ الْأَرْضُ وَالسَّمَاءُ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُمَا مَوْضِعٌ!
وَرَأَيْتُ الْأَمْوَاتَ صِغَاراً وَكِبَاراً وَاقِفِينَ أَمَامَ اللّهِ،
وَانْفَتَحَتْ أَسْفَارٌ. وَانْفَتَحَ سِفْرٌ آخَرُ هُوَ سِفْرُ الْحَيَاةِ،
وَدِينَ الْأَمْوَاتُ مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الْأَسْفَارِ بِحَسَبِ
أَعْمَالِهِمْ. وَسَلَّمَ الْبَحْرُ الْأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِ، وَسَلَّمَ
الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ الْأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِمَا. وَدِينُوا كُلُّ
وَاحِدٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ. وَطُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ
النَّارِ. هذَا هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي. وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مَكْتُوباً
فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ" (رؤيا 20: 11-15).
ويضيف د. سنكلير تسدل في كتابه ·مصادر الإسلام مصدراً آخر من مصادر المفهوم
الإسلامي لليوم الآخِر، فيقرر أن ما في القرآن والأحاديث بخصوص الجنة وحور العين
والغلمان والجن وملك الموت وذرات الكائنات، هو نقل حرفي من كتب الزردشتية القدماء:
فمثلاً ما قاله عن الحور في سورة "الرحمن حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي ا لْخِيَام" (سورة
الرحمان 55: 72). وفي سورة الواقعة "وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ ا للُّؤْلُؤِ ا
لْمَكْنُونِ" (سورة الواقعة 56: 22، 23). هو لا شك مأخوذ مما قاله الزردشتية
القدماء عن بعض أرواح غادات إسمهن ميركان ويسميها الفرس المتأخرون بريان لأن
الزردشتية زعموا أن أرواح هذه الغادات سكنت في الهواء، ولها علاقة بالكواكب والنور.
وكان جمال أرواح هاته الغادات رائعاً حتى خُلبت قلوب الرجال .
ويشير د. سنكلير إلى أن المسلمين يعتقدون أنه بعد دينونة يوم الدين يُؤمر جميع
الناس بالمرور على الصراط، وهو شيء ممدود على متن جهنم بينها وبين الجنة، يمشي عليه
المؤمنون فيصلونه إلى النعيم، ويتعثّر عليه الكافرون فيسقطون في الجحيم، ويعقب د.
سنكلير قائلاً: فمن أراد معرفة منشأ هذا القول وجب عليه أولاً أن ينظر في اشتقاق
كلمة ·صراط لأن أصلها ليس من اللغة العربية، فهي معرَّبة وأصلها فارسي.
أهل الكتاب كما صوَّرهم القرآن في اليوم الآخر
عند النظر في آي القرآن ينبغي أن نفرق بين مرحلتين من مراحل نزول القرآن هما:
المرحلة المكية، والمرحلة المدنية. فالفارق البيّن الواضح بينهما في استراتيجيات
الدعوة يجعلنا نقول إن الدعوة الإسلامية قد انتقلت نقلة كبيرة بعد الهجرة إلى
المدينة، وتحوَّلت الفكرة الإسلامية تحولاً خطيراً. حتى جاز لنا القول إن إسلام مكة
ليس هو إسلام المدينة، وإن كفَّار مكة ليسوا هم كفَّار المدينة، وإن أولياء مكة
ليسوا أولياء المدينة. فمن يواليه المسلم في مكة أصبح يعاديه في المدينة، ومن عاداه
في مكة أصبح أشدَّ عداوةً له في المدينة.
وكذا الحال في مفهوم اليوم الآخِر في القرآن: فالهالكون في جهنم حسب نص القرآن
المكي ليسوا هم هالكي جنهم في القرآن المدني! فالكفّار المشركون عَبَدة الأصنام
والأوثان هم هالكو جهنم في مكة، وهم محط اللعنات القرآنية طوال أكثر من ثلاثة عشر
عاماً في مكة، بينما أهل الكتاب هم ·المسلمون الذين أُمر محمد أن يكون معهم من
المسلمين، وهم الذين قال فيهم القرآن: "أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ" (الأنعام 6: 90).
أما أهل الكتاب في المدينة فهم الذين حرفوا الكتاب ليّاً بألسنتهم، وهم الذين أخفوا
نعت محمد واسمه من كتابهم، وهم عباد الثالوث الذين ألَّهوا المسيح وأمه واتخذوهما
إلهين من دون الله، فاستحقوا جهنم خالدين فيها أبداً!
إن من يقرأ القرآن يدرك أنه لم ترد آية واحدة طوال أكثر فترات العهد المكي تنذر أهل
الكتاب بالعذاب الأليم في جهنم، بل إن آيات التبشير بالعذاب كانت موجَّهة في جملتها
إلى المشركين من قريش وما حولها، الذين صدّوا عن سبيل الله، والذين استكبروا ورفضوا
دعوة المساواة التي أطلقها الإسلام بين الطبقات. لكن الأمر يختلف اختلافاً كبيراً
عندما نقرأ ما نزل من القرآن في المدينة، فهي لا تفرق بين مسيحيين ومسلمين لله، لا
يشركون به إلهاً آخر، مسيحيين يقرّون له بالوحدانية وبين آخرين ضالين اتّخذوا من
المسيح وأمه إلهين، أو الذين اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله!!
وإذا أردنا التدليل على ما سبق ذكره من تناقض الموقف القرآني تجاه أهل الكتاب نقول:
لقد سألت خديجة - وهي زوجة محمد طوال العهد المكي - محمداً عن مصير أولاد المشركين،
بما فيهم أهل الكتاب، فقال: "وَلَا تَزِرُ وَازِرةٌ وِزْرَ أُخْرَى"(الأنعام 6:
164) هم على القنطرة وفي رواية أخرى هم في الجنة .
وقد روى أبان عن أنس قال: سُئل رسول الله )ص( عن أولاد المشركين فقال: "لم يكن لهم
حسنات فيجزوا بها فيكونوا من ملوك الجنة". ولم يكن لهم سيئات فيُعاقبون عليها
فيكونوا من أهل النار فهم خدمٌ لأهل الجنة.
هذا الموقف الصريح من أولاد المشركين وأهل الكتاب، نراه يختفي ويتغير إلى موقف آخر
يتبناه القرآن تجاه الكفَّار بما فيهم أهل الكتاب وأولادهم، فقد سألت عائشة زوج
محمد في العهد المدني محمداً عن ذراري غير المسلمين فقال: ·هم مع آبائهم قالت: بلا
عمل؟! قال: الله أعلم بما كانوا عاملين، والذي نفسي بيده لئن شئتِ أسمعتكِ تضاغيهم
في النار .
ففي مكة أولاد أهل الكتاب في الجنة خدام لنزلائها، ولكن بعد أن اتخذ الإسلام موقفاً
مستقلاً من مصدره الأول، بل موقفاً معادياً من هذا المصدر الذي ظل يمدّه بالعقائد
والتشريعات طوال أكثر من ثلاثة عشر عاماً، كانت النتيجة إلقاء هؤلاء الأطفال في
الجحيم، بلا ذنب سوى أنهم جاءوا من صلب كتابيين!
المسيح في اليوم الآخِر
لم يتفرَّد المسيح -كما صّوَره القرآن - في حمله وولادته وطفولته ومعجزاته وموته
ورفعه على سائر الأنبياء والمرسلين فحسب، بل إن القرآن خصَّه بأُخرَيات لم تُنسَب
لنبيٍّ قط، حتى قال فيه وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ (الزخرف 43: 61). أي إن
نزوله إلى الحياة الدنيا مرة أخرى نذير بقيام الساعة.
ونقرأ في كتب الصحاح المعتمدة (أمثال البخاري ومسلم) أبواباً ذكرت عشرات الأحاديث
الموصولة السند عن نزول المسيح ابن مريم، وأعطته مكانة لم تُعط لنبي من الأنبياء.
- فقد رُوي عن محمد ·يكون عيسى عليه السلام في أمتي حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً.. .
- وروي أيضاً عنه ليدركن المسيح ابن مريم رجالاً من أمتي مثلكم أو خيراً منكم .
- وفي الحديث أيضاً: ينزل عيسى ابن مريم فيتزوج ويولد له ولد، ويمكث خمساً وأربعين
سنة ويُدفن معي في قبري فأقوم أنا وعيسى من قبرٍ واحدٍ بين أبي بكر وعمر .
ويُقال: إنه يتزوج امرأة من العرب بعد ما يقتل الدجال، وتلد له بنتاً فتموت، ثم
يموت هو بعد ما يعيش سنتين وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة عن محمد: يمكث عيسى في
الأرض بعد ما ينزل أربعين سنة ثم يموت ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه. وروي أيضاً في
الحديث الصحيح الأنبياء إخوة أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أَوْلى الناس بعيسى ابن
مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى
الحمرة والبياض، كأن رأسه تقطر ولم يصبه بلل.
وقال كعب الأحبار: "إن عيسى عليه السلام يمكث في الأرض أربعين سنة ويكثر الخير على
يديه حتى أن الحي ليعبر بالميت فيقول: قم فانظر ما أنزله الله من البركة. وأن عيسى
عليه السلام يتزوج بامرأة من آل فلان ويُرزق منها ولدين فيسمي أحدهما محمد والآخر
موسى، ويكون الناس معه على خير وفي خير زمان وذلك أربعين سنة، ثم يقبض الله روح
عيسى ويذوق الموت ويُدفن إلى جانب النبي" (من كتاب ·يقظة أولي الاعتبار للعلاّمة
الأصولي صديق حسن خان).
ولكن ما الحكمة التي يراها المسلمون في نزول المسيح في ذلك الوقت دون غيره من
الأنبياء؟
أجاب على هذا السؤال الإمام القرطبي في كتابه ·التذكرة يقول في ص 764: ·يحتمل أن
المسيح قد وجد في الإنجيل فضل أمة محمد (ص) فدعا الله عز وجل أن يجعله من أمة محمد
(ص) فاستجاب الله تعالى دعاءه ورفعه إلى السماء إلى أن يُنزله آخر الزمان مجدداً
لما درس من دين الإسلام، فوافق خروج الدجّال فقتله.
·ويحتمل أن يكون إنزاله مدة لدنّو أجله لا لقتال الدجّال، لأنه لا ينبغي لمخلوقٍ من
التراب أن يموت في السماء، لكن أمره يجري على ما قال الله تعالى: مِنْهَا
خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (طه
20: 55). فينزله الله تعالى ليقبره في الأرض مدة يراه فيها من يقرب منه ويسمع به من
نأى عنه، ثم يقبضه فيتولى المؤمنون أمره ويصلّون عليه ويُدفن حيث دُفن الأنبياء.
·ويُحتمَل أن يكون ذلك لأن اليهود همَّت بقتله وصلبه، وجرى أمرهم معه على ما بيَّنه
الله تعالى في كتابه، وهم أبداً يدَّعون أنهم قتلوه، وينسبونه في السحر وغيره إلى
ما كان الله يراه ونّزَهه منه. ولا يزالون في ضلالهم هذا حتى تقرب الساعة، فيظهر
الدجَّال وهو أسحر السحرة، ويبايعه اليهود فيكونون يومئذ جنده مقدرين أنهم ينتقمون
به من المسلمين. فإذا صار أمرهم إلى هذا أنزله الله الذي عندهم أنهم قد قتلوه،
وأبرزه لهم ولغيرهم من المنافقين حياً، ونصره على الدجّال ومَن معه مِن اليهود، فلا
يجدون يؤمئذ مهرباً. وإن توارى أحدٌ منهم بشجر أو حجر أو جدارٍ ناداه: ·يا روح
الله، ها هنا يهودي حتى يقف عليه فإما يسلم أو يُقتل .
وهذه كلها احتمالات قدَّمها الإمام القرطبي، وإن شئت قلت إنها رصيد جديد من الأقوال
الظنِّية والاجتهادات الفرديّة التي لا سند لها سوى النصوص المبهَمة من القرآن
والسنّة التي تناولت حياة السيد المسيح في حمله وولادته وصلبه وقيامته ونزوله آخر
الزمان.