كامل السعدون
kamilalsaadon@online.no
2004
/ 6 / 7
ما قصصناه من مشهد ذلك الذي جرى في
ذلك المساء في وادي ( أوطاس ) من بلاد الحجاز على مسافةٍ ليست بالبعيدة عن مكة ،
يعكس لا شك الصورة الحقيقية لهذا الذي تكرر في كل بلدٍ من بلاد الجزيرة قبل أن
يتحول أهل الإسلام من بلادهم الأم إلى بلدان الجوار بأهلها وأقوامها من غير العرب .
هذا الذي قلناه وسعينا إلى تصويره من وحي الحدث ذاته ، لم ينقله لنا المؤرخون إلا
مقتضباً مبتسراً وبما يناسب توجههم الديني وقناعاتهم أو …مخاوفهم من غضب أهل الدين
وأتباعه .
الغريب أن أحد كتّاب اليوم وهو صحفيٌ في الشرق الأوسط وفي مقالةٍ له في صفحة الرأي
من عدد ما قبل يومين ، يشيح الطرف كلياً عن الحدث وتفاصيله ويلتفت لذيله حسب ، نعني
رد الرسول القاسي على اعتراض الأعرابي على الظلم في توزيع الغنائم ، فيقول :
إن تلك من معجزات الرسول الكريم محمد ، إذ هو يتنبأ باكراً بهذا الذي سيحدث لاحقاً
، نعني حركة الخوارج التي نشطت منذ عهد عليٍ وامتدت لسنين وسنين عديدة أخرى وتمخض
عنها أو على هامشها ظهور تياراتٍ وفرق عديدة في الإسلام ، استمرت في الصراع مع
الإسلام الرسمي طوال عهود الأمويين والعباسيين .
لقد رددت على الكاتب ( ولم ينشر الرّد طبعاً ) …!
قلت له لا أرى أيها السيد أي جانب قداسة أو نبوءة أو أعجاز في أن يختلف الناس مع
زعيمهم على توزيع أسلاب القتلى والجرحى والأسرى ، وإن يردعهم القائد بغليظ القول
وببعض الإشارات التي تتجاوز البعد الزمني للحدث لتعطي مهابة وقداسة لهذا الزعيم
ولتردع الآخرين ممن قد يفكروا لاحقاً بالاعتراض .
وأعيد قولي هذا في يومي هذا فأقول :
1- كان رد الرسول بهذه الإشارة التي تتجاوز الحدث وزمنه وتؤشر لأزمان أخرى في علم
الغيب ، هو ضرورة تكتيكية لمحمد لإقصاء المعترضين بالجملة ( وسلفاً ) ، حتى لو جاء
الاعتراض من فردٍ من الأعراب وكان قبيح الخلقة ، سيئ الخلق ، كصاحبنا الوقح ( أبا
الخويصرة ) ، والذي قد يكون اعتراضه نابعٌ عن هوى في النفس أو غضبةٍ عاطفية أو
شعورية آنية قابلة للإرضاء بسهولة .
بلا … ضرورة إستراتيجية وتكتيكية بذات الآن ، تهدف لخلق تيار مدجنّ بالكامل وراضٍ
عن أي قسمة يقسمها الرسول ، لكي ما يتسنى لهم الإفلات من عار الخروج على رأي
الجماعة ومصداقية الإيمان القائم على القبول التام بما يقسمه الرسول .
2- في هذا الرّد الأيديولوجي الإستراتيجي ، يؤدلج الرسول صفة الإيمان الصادق إذ
يقصره على القبول التام ( ولو نفاقاً ) بما يراه محمد ، وبالتالي فهو يضمن شق وحدة
الجماعة وتمييز الجيدين منهم بالطاعة ، وتأسيساً عليه يحرضهم على إقصاء المناوئين
وقمعهم بمنتهى القسوة ، لأنهم سيكونون لا شك من ذات جرثومة أو طينة هذا المعارض
الوقح ( أبا الخويصرة ) .
3- حيث يكون هناك فعلٌ يكون له ردّ فعل ، وحيث أن العملية برمتها عملية نهب وغزو
وتقسيم أسلاب في وقتٍ لما تزل الجثث فيه تنهشها الغربان والذباب ، فإن من الطبيعي
لفعل اللاعدل أن يكون له ردٌ من صنفه ولو همسةٌ من رجلٍ واحد ، وحيث يتوقع المرء أن
يستمر اللاعدل في التوزيع تأسياً بالزعيم الذي وزع الأسلاب بين أبناء عمومته وترك
الآخرين ، حيث يستمر هذا فإن بذرة الرفض والخروج على طاعة الزعيم أو خليفته تتكرر
ولا شك ، طالما أمتلك الناسُ عقولاً وإرادات متباينة ومصالح متناقضة ومتصارعة
وبالتالي فإن مثل هذا القول الذي يبدو إعجازاً للسيد زين العابين الركابي ، ليس إلا
توقعاً طبيعياً لحالة عمومية جداً ، وواردة في كل مكان وزمان ولا تحتاج لعبقرية
خاصة لإطلاقها ، بل إنها تخلو حتى من الحدس وفيها قسط كبير من العمدية في القول
ولأسباب إستراتيجية سياسية ردعية …!
حسناً … هذا موقفٌ أو حدثٌ من آلاف المواقف والأحداث التي جرت في كامل الشرق القديم
، منذ فتح مكة ولغاية يوم الله هذا ، فما ضرورة أستذكاره الآن وتسليط الضوء عليه .
الحقيقة أن ما هدفت له من تلك الواقعة التي قرأتها في سن العاشرة وأعدت قراءتها
مجدداً في الخمسين ، هو الآتي :
1- لو تعيد قراءة المشهد مجدداً للحظت أن من وقع عليهم فعل الذبح وانتهاك الأعراض
وتوزيع النسوان والأطفال والجواري والخيول والبقر بين المنتصرين ، هم في واقع الحال
عربٌ من ذات أمة الرسول وليسوا أعاجم أو أقباط أو ترك …!
طيب كيف تتوقع السلوك القادم للمنتصرين حين يتفرغوا للآخرين بعد أن يكملوا ذبح
بعضهم ….؟
2- ما تلحظه من تلك الواقعة وغيرها ، أن محمد لم يغير من قيم قريش وأهل الجاهلية
عامةٍ الكثير ، بل إنه استعار منهم أسوأ ما كان لديهم وهو الغزو واستباحة الآخر
واغتصاب ماله وحرماته ، وبذات الآن ضيع عليهم هويتهم القبلية إذ مكن أهل فارس
والأحباش والترك وغيرهم لاحقاً من أن يغتصبوا من العربي ذاته ماله وعرضه وكرامته
تحت ذريعة التكفير ، وكلنا يذكر ما حلّ بالحلاج وبن حنبل والمئات من أحرار العرب من
مفكرين ومبدعين على يد عمال الولايات الإسلامية من الترك والفرس وغيرهم .
3- من محاسن أهل الجاهلية التي استعارها محمد ، شرعة عدم الغزو في الأشهر الحرم ،
وهذا ما يؤكد ما سلف أن قلناه في مقالبٍ سابق من أن أهل الجاهلية كانوا موحدين
ويعرفون الله ولكن بنمطٍ من التوحيد أكثر ليبراليةٍ وشفافية ويسراً من شرعة محمد ،
بدليل أن أشهرهم التي لا يتقاتلون فيها ألتزم بها محمد بالكامل ، وهنا نرى أن
الدعوة المحمدية لم تكن كاملة الاستقلالية عن عبادات قريش وطقوسهم وتقاليدهم
وثقافتهم ، مضافاً إلى أنه عمد إلى إرضاء أسيادهم إذ آثرهم بالنصيب الأكبر من
الغنائم ، مما يؤكد ما نذهب إليه من إن الدعوة سياسية في المقام الأول .
ونتابع القول في مقالٍ لاحق …!