علامات استفهام حول شريعة الإسلام
أمير ريشاوي
مقدمة
بعد أن انتهيتُ من كتابة هذه الأوراق، ألقيتُ برأسي بين راحتيَّ، ورحت أسأل نفسي:
أكثر من سبع سنوات لا تشغلني إلا قضية واحدة، أصيغها طرفاً من الليل، وأبحث عن
إجاباتها الليل كله! وها أنا قد انتهيت من حل رموزها، وعرفت الخيط الأبيض من الأسود
فيها، ووقفت على الحق. لكن تُرى هل انتهت المعضلة التي طبعَت قسوتَها على قسمات
حياتي وملامحها؟
الآن بدا لي أنها لم تنتهِ، بل بدأت! إن الذي انتهى هو المرحلة الصعبة، وها هي
المرحلة الأصعب تبدأ!
إنني أحيا في مجتمع تسوده قِيمٌ وأفكارٌ ليس من بينها ما يصون حق التفكير وحريته!!
وإن أباحه فهو يفترض النتائج مسبَّقاً، وما عليك إلا أن تدور لتصل في النهاية لتلك
المسلَّمات!
رفعتُ رأسي أقلّب في صفحاتي، لتقفز إلى ذاكرتي قصة فنانٍ فقير قضى سنوات عمره في
عمل تمثال. وبعد المجهود العظيم والتعب الشديد أتمَّ عمله واضطجع لينام. وفي منتصف
الليل استيقظ فجأة على أثر إحساسه بصقيعٍ قارس باغتَ المدينة. وخوفاً على التمثال
أخذ معطفه وما عنده من فراش ولفَّ بها التمثال. وبعد ذلك اضطجع بجواره ونام، ولكنها
كانت النومة الأخيرة. وفي اليوم التالي اكتشف جيرانه أنه فارق الحياة، فناحوا عليه
لما علموا أنه ضحّى بحياته لأجل فنّه!
وعدتُ أحدّث نفسي: إن الموت في سبيل الفن قد يكون جائزاً في أعراف الفنانين والذين
يقدّرونه، بيد أن الموت في سبيل الحق لا ينكره إلا المبْطَلون!
لكن ما أن استقرّت عندي هذه الحقيقة حتى خطر لي هذا التساؤل: ولماذا الموت في سبيل
الحق؟ وما الداعي إلى سيطرة هذا الشعور: أن ·الحياة في سبيل الحق، هي الأجدر لمن
عرف الحق. إن المسلمين الذين يلّوحون بحدّ ·الردّة لكل من يساوره شك في معتقده،
إنما تحركهم دوافع كثيرة، ليس من بينها على الإطلاق الخوف على الإسلام، لكنه الجهل
والحقد والكراهية! إني أعرف مسلمين كثيرين ارتدّوا عن الإسلام فأصبحوا ملحدين، فما
حرَّك إخوانهم المسلمون ساكناً!! لكني أعرف أضعافهم ·ارتدّوا ليكونوا مسيحيين،
فقامت الدنيا ولم تقعد!! مع أن القرآن قد أخبر أن أسلافهم فرحوا لانتصار الروم على
الفرس، لا لشيء إلا لأن الروم أهل كتاب، والفرس أهل إلحاد وزندقة!
إن حدّ الرِّدة هو القتل، وقد يكون عقاباً لمن دخل الإسلام من غير حظيرته، ثم
ارتدَّ عنه. لكن الأمر يختلف، ليصبح حد الردّة أداةَ قهرٍ وإذلالٍ إذا مورس مع
المسلمين أنفسهم متى ارتدوا عن الإسلام، لأنهم لم يختاروا الإسلام عند ولادتهم.
وأعتقد أن هذا ما حدا بكاتبٍ مثل الدكتور محمد عمارة أن يؤكد أن الإسلام يضمن
لأتباعه حق الارتداد عن دينهم! وذلك في كتابه ·الغزو الفكري وهمٌ أم حقيقة . فما
دام بحث الشاك (والكلام للدكتور عمارة) قدر طاقته فلم يجد ضالته في الإسلام، فلا
إكراه له على الإيمان به، فقاعدتا (لا إِكْرَاهَ فِي ا لدِّينِ) (البقرة 2: 256)
(ولا يُكَلِّفُ ا للَّهُ نَفْساً إلا وُسْعَهَا) (البقرة 2: 286) ضمنت حق المسلم في
الارتداد عن دينه. هذا فضلاً عن معاملته في الدنيا كمعاملة كاملي الإسلام. وأما
حسابه الأخروي فموكول إلى الله. وإن كان بعض الفقهاء، انطلاقا من قاعدة ·لا يكلِّف
الله نفساً إلا وسعها قال إنه عند الله من الناجين!
ومع ذلك فإنك لن تعدم من يصرخ في وجهك ضارباً بهذا عرض الحائط، غير معترفٍ إلا
بالقتل لمن ارتد. فليكن إذاً.. فنحن لا نملك إلا صلاة من أجل أن يفتح الله قلبه
وعقله للحق، الذي دّوَنْتُ حيثيات اقتناعي به في هذه الصفحات.. وها أنا أطلقها
مشفوعة بصلاةٍ حارة حتى يصفح الله عمّا فيها من عيوب ويستر ما فيها من أخطاء، بحيث
لا تكون عثرةً لأحد، ويجعل ما فيها من الحق سبب بركةٍ لكثيرين.
الفصل الأول
: هل يمكن تطبيق الشريعة اليوم؟
لو أن شاباً توجّه إلى أحد المنادين بالتطبيق الفوري للشريعة الإسلامية وقال له:
"أريد أن أنكح ابنتك فلانة" (يعني أن يتزوجها باللفظ المتعارف عليه اليوم) لاستشاط
الرجل غضباً وطرد الشاب من منزله، ورماه بقلة الأدب. مع أن الشاب لم يخطئ بل استعمل
اللفظة الشرعيّة الصحيحة!
وكما أن اللغة - أي لغة - كائن حيّ يتطّور بمرور الأيام، فكذلك كل جيل في كل زمان
له ظروفه الاجتماعية والاقتصادية، وأعرافه وتقاليده. ومحاولة قسر جيل حديث على ظروف
وتقاليد وأعراف أجيال سبقته محكوم عليها بالإخفاق والفشل.
لقد رُوي في الأثر: "لا تقسروا أولادكم على أخلاقكم، فقد خُلقوا لزمان غير زمانكم".
فإذا كان الأمر كذلك خاصاً بالأولاد الذين لا يفصلهم عن آبائهم أكثر من ثلاثة عقود،
فما بالكم إذا كانت تفصلها عن التي سبقتها قرون عديدة؟
هذه بديهيّة كنت في غِنى عن ذكرها لولا أن إخواننا المسلمين يتجاهلونها في غمرة
حماسهم لمقولة التطبيق الفوري للشريعة، غير مدركين العواقب الوخيمة المترتبة على
هذا التجاهل الذي يصادم سُنّة كونية وناموساً من نواميس المجتمع.
والغريب أن هذا التجاهل قد جاوز حدود العامة والدهماء إلى أهل الاختصاص في الفقه
والشريعة، الذين أكاد أجزم أن الغالبية العظمى منهم لم يدرسوا بدقّة أبواب الحدود
والديَّات التي جاءت في كتب الصحاح. ولو فعلوا لأيقنوا أن المسألة ليست بالبساطة
التي يتصّورونها، وأن الأمر يحتاج إلى جهود مضنية، خاصة بعد غلق باب الاجتهاد، لجعل
الحدود ملائمة للظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الناس الآن، وإلا كانت
النتيجة سَقْطة مدوية ونكسة مريعة وإساءة بالغة، لا للشريعة الإسلامية فحسب، بل
للإسلام كله عقيدةً وشريعة.
فإذا أردنا التدليل على ما سبق ذكرنا:
رُوي عن محمد قوله: ·ليس على العبد ولا على أهل الكتاب حدود (رواه الدارقطني في
سُننه) ومعنى الحديث أنه إذا قتل مسلمٌ مسلماً عمداً، أُقيم عليه الحد أي القتل
وإذا قتل مسيحيٌّ مسلماً عمداً فلا يُقام عليه الحد، أي لا يُقتل ولكن يُعّزَر.
والتعزير عقوبة أقل من الحد!
وعن ابن عباس قال: قال محمد: ·ليس على العبد الآبِق إذا سرق قطع، ولا على الذمي
(رواه الدارقطني في سُننه). ومعنى الحديث أن المسلم إذا سرق قُطعت يده، أما إذا سرق
مسيحي فلا تُقطع يده! وليس الإشكال في تخفيف العقوبة على المسيحي، بل على عدم
المساواة بين رعايا الدولة في جريمة واحدة، وما يُحدثه ذلك من أثرٍ في نفوس عامة
المسلمين!
وعن أم المؤمنين عائشة قالت: "سمعت محمداً يقول: لا تُقطع يد السارق إلا في ربع
دينار فصاعداً . وعن عمر أن محمداً قطع يد سارق سرق برنساً من صُفة النساء ثمنه
ثلاثة دراهم" (رواه أحمد وأبو دواد والنسائي). وعن جابر أن محمداً قال: "ليس على
الخائن ولا على المختلس ولا على المنتهب قطع" (رواه الخمسة وصحّحه الترمذي). ومعناه
أن من يخون الأمانة أو يختلس أو ينهب مئات الألوف من الجنيهات، لا تُقطع يده، ومن
يسرق ما يساوي ثلاثة جنيهات تُقطع!!
وهذه الأحاديث المحمدية في النظام الاقتصادي والاجتماعي للدولة المنشودة يضع أمام
الإسلاميين إشكالات عديدة بحاجة إلى بحوث ودراسات قبل أن تنطلق الأبواق قائلة:
"الإسلام هو الحل، شرع الله عز وجل" . "الإسلام عقيدة وشريعة" . "مصحف وسيف" . "دين
ودولة" وغير ذلك من الشعارات المستهلكة.
لقد كانت التجارة في عهد محمد عصب الحياة الاقتصادية، فكانت جريمة السرقة هي
السائدة، فنزل بشأنها هذا العقاب الصارم المؤيِّد لما كانت عليه الحال قبل محمد.
وأوردت كتب السيرة المعتمدة أن ·سارق كنز الكعبة المشرَّفة قطعت قريش يده . لكن
الحال الآن تغيّر، واختلفت أوجه المعاملات المالية، واستجدَّت جرائم جديدة لم تكن
معروفة في عهد محمد، مثل اختلاس الأموال العامة والنصب وإصدار شيكات بدون رصيد
بمئات الألوف من الجنيهات. فإذا طبّقنا على مُرتكبيها حدّ قطع اليد خالفنا الأحاديث
الصحيحة التي منعت القطع فيها. وإذا لم نفعل، كان مختلس مئات الألوف أسعد حالاً من
سارق الجنيهات القليلة!
عن عبد الرحمن بن عوف قال، قال محمد: "لا يُغرَّم السارق إذا أقيم عليه الحدّ"
(رواه الدارقطني في سُننه). فكيف الحال إذا سرق رجلٌ مئات الألوف من الجنيهات
وقُطعت يده ورُكِّبت له يد صناعية وعاش مستمتعاً بما سرق طيلة حياته؟ بل إن تقدُّم
الطب جعل من الميسور تركيب اليد المقطوعة بعد قطعها!
عن ابن مسعود قال: "دية الخطأ أخماساً! عشرون جذعة، وعشرون حقة، وعشرون بنات لبون،
وعشرون بنو لبون ذكور، وعشرون بنات مخاض" (رواه الدارقطني في سننه). ونحن نسأل: هل
سوف يُنصّ في القانون الجنائي الإسلامي على هذا بلفظه؟ وكم من القضاة الذين
سيطبّقونه والمحامين الذين يترافعون فيه، يعرفون الفرق بين "الحقة" و"بنت المخاض" ؟
لقد كتب شيخ الإسلام الإمام الدارقطني أكثر من ثلاث صفحات ليحقق كلمتي "الحقاق"
و"بني لبون" الواردة في العبارة السابقة، شعوراً منه بمسئولية من يغيّر في ألفاظ
أحاديث الرسول!
فإذا ردّ إخواننا المسلمون بأنه لا بأس من استبدال هذه الألفاظ بمصطلحات مُتعارف
عليها. قلنا: إن من المعلوم أن أحاديث الرسول (حسب ما يعتقد المسلمون) تُطبَّق
تطبيقاً دقيقاً يلتزم اللفظ ولا يخرج عنه. ونحن نذكر في هذا المقام أن محمداً كان
يعلّم أحد صحابته دعاءً يقوله قبل النوم هذا نصه:
"اللهمّ إني أسلمْتُ نفسي إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا
منجَى منك إلا إليك. آمنتُ بكتابك الذي أنزلت، ونبيّك الذي أرسلت".
ثم طلب محمد من صاحبه أن يعيد عليه القول فأسمعه إياه ولكن قال: "وبرسولك الذي
أرسلت" بدلاً من نبيّك الذي أرسلت . فصحّحه له محمد بقوله ونبيّك الذي أرسلت .
إذاً فتغيير الألفاظ ليس سهلاً في المعتقد الإسلامي. وهذا بلا شك مشكل خطير يُظهره
ما رُوي عن محمد: لا قود إلا بالسيف أي: لا يجب قصاص القتل، إلا إذا كانت جريمة
القتل تمَّت بالسيف . وهنا وضع محمدٌ قاعدةً شرعية هي أن القتل بالسيف وحده هو الذي
فيه القود (أي القصاص). أما وسائل القتل الأخرى فلا قصاص فيها!
ومعلوم أنه في عصرنا الحديث استُحدثت عشرات الوسائل للقتل. فإذا طبقنا فيها حديث لا
قود كان ذلك خروجاً على الحديث. وإذا قلنا بغير القود، كان ذلك في غاية الغرابة،
لأن من بين تلك الوسائل ما هو أقسى وأشد إجراماً من السيف. فكيف لا يُعاقب مرتكبها
بالقود أي القصاص ؟! هذا فضلاً على أنه أصبح القتل بالسيف الآن يكاد يكون في حكم
النادر، وبذلك نضع في قانون العقوبات نصاً لا يُطبَّق في واقع الحياة!
جاء في مُسند الإمام أحمد أن الصحابي سعد بن عبادة قال: ·يا رسول الله، إنْ وجدتُ
مع امرأتي رجلاً، هل أنتظر حتى آتي بأربعة شهود؟ قال: ·نعم . وفي هذا الحديث أثار
الصحابي صعوبة إثبات جريمة الزنا بإحضار أربعة شهود يرون ·المرود يدخل في المكحلة .
وهي صعوبة ما زالت قائمة حتى اليوم، بل ازدادت وتحّولت إلى استحالة. فإذا استطاع من
يهمُّه الأمر أن يثبت حدوث تلك الجريمة بطرق الإثبات الحديثة، مثل التصوير
الفوتوغرافي أو التسجيل بالفيديو التي تؤكد لمن يراه أن الزنا تم، فهل يُقبل منه
هذا الدليل؟
إذا أجزنا ذلك، خالفنا السنّة الصحيحة، وأفلت الزانيان رغم قوة الدليل. أم لا بد من
الدليل الشرعي: أربعة شهود؟ وهذا إن لم يكن مستحيلاً فهو شبه مستحيل في أيامنا، إذ
أن جريمة الزنا تتم في غُرف مُحكمة الغلق؟!
هذا قليل من المشكلات التي تواجه المطالبين بتطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة الحدود
في القرن العشرين!
إن علامات الاستفهام التي أطرحها هنا قائمة منذ عشرات السنين، ولم يتصدَّ لها فقيهٌ
واحد. ولم نقرأ لواحدٍ من الدُّعاة تصوُّره لشريعة الإسلام بثوبٍ جديد يليق بمعطيات
العقل البشري في القرن العشرين. بل كل ما قدمه علماء الأزهر في باب الفقه ما جسَّده
مفتي مصر عندما قدم فتواه بمفطرات رمضان، من مثل الطين الأرمني وبزاق الصديق الخ!!
ولم يعلم أن هناك أشياء أخرى أصبحت مستخدمة غير الطين الأرمني في المأكل والمشرب!!
لقد أطلق الإمام الإيراني الخميني على علماء الأزهر بمصر أنهم علماء الحَيْض
والنّفاث . وقال عنهم: إنهم فقهاء المراحيض. وهو مُحقّ إلى حد بعيد فيما ذهب إليه،
لأن الدعاة المنتشرين في بقاع الأرض، والذين ينادون بتطبيق الشريعة، لديهم تضخّمٌ
في فقه دورات المياه، وجفافٌ في معطيات العلم بما قدمته الشريعة. وأعتقد أن مقابلة
هذا بذاك ضرورة عقلية لا مناص منها قبل أن يطلقوا شعاراتهم المستهلكة!!
الفصل الثاني
وهل طُبِّقت الشريعة من قبل؟
قال الإسلاميون عن الشريعة الإسلامية إنها مشروع الإنقاذ الوحيد القادر على إنقاذ
البشرية من الحيرة. والقلق والاضطراب والشرور، وزعموا أنها أصبحت حاجةً بشرية ملحة
فرضتها عدم صلاحية النموذج الغربي والشرقي للحكم، بعد أن افتقدا عناصر البقاء.
وقالوا أيضاً إن "شريعة الإسلام هي الحل الوحيد لأنها فوق الهوى البشري والنقص
الإنساني، ولا تخضع لمقاييس الخطأ والصواب. فهي فوق التجربة. وهي قبل ذلك وبعده
قوانين إلهية"!
هذا ما قاله سيد قطب في كتبه: "هذا الدين" - "المستقبل لهذا الدين" - "معالم في
الطريق" - "السلام العالمي والإسلام" - "نحو مجتمع إسلامي" - "في ظلال القرآن" .
وإن سلّمنا مؤقَّتاً بما قالوه عن شريعة الإسلام، وإنها قادرة على حل معضلات الحياة
السياسية والاقتصادية والاجتماعية (نظرياً)، فلا يمكننا التسليم ولو المؤقت بأنها
طُبِّقت عملياً في أي مرحلة من مراحل التاريخ، ولا أنها أتت بأفضل الثمرات! فإن
الدارس لتاريخ مصر - على سبيل المثال - يجد نفياً قاطعاً للقولة السابقة، فنحن لا
نستطيع الحكم بأن الشرع الإسلامي في مصر قد أنصف الأقباط لأن عمر بن الخطاب أمر
بجلد ابن عمرو بن العاص حاكم مصر عندما ظلم قبطياً، أو لأن عمر بن عبد العزيز أمر
بإعطاء الذمّيين من أموال الزكاة!!
إن مواقف الآحاد لا ينبغي أن تُسحب على وقائع التاريخ الإسلامي لمصر فيوصف بالعدل
والمساواة، فهذا مجافٍ للروح العملية التي ينبغي أن توصف بها الأبحاث والدراسات
التي تتناول مباحث التاريخ!
فإذا قسنا مباحث الإسلاميين عن معطيات الشرع الإسلامي تاريخياً على ضوء عبارة
الأستاذ العقاد القائلة: كل قولٍ لا يستند إلى البحث، ولا يستند البحث فيه إلى
الدليل، فهو حديثٌ من أحاديث الإشاعات، إن لم نقُلْ أحاديث الخرافات. فإن الحديث عن
تاريخ الشرع الإسلامي وتطبيقاته لم يزد عن كونه حديث خرافة .
ولكي نبرهن على صدق ما ذهبنا إليه، لنُلْقِ نظرة عاجلة على تاريخ مصر الإسلامية،
ليتأكد قولنا إن الشريعة الإسلامية وإن كانت مقبولة ·نظرياً فإنها غير قابلة
للتطبيق ·عملياً.
أولاً - سياسياً واقتصادياً
اتَّسم تاريخ الحكم المصري الإسلامي بسِمَتين هما:
أ - غياب العدالة الاجتماعية.
ب - الحكم الديكتاتوري، مقطوعُ الصلةِ بمبدأ الشورى الإسلامي!
فالبرغم من تأكيد الشريعة في نصوصها على مبدأ توزيع الثروة "حَتيْ لاَ يَكُونَ
(المال) دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمُ" (الحشر 59: 7). إلا أن نظام الحكم
الإسلامي في صعُب عليه تنفيذ هذا النص، فجاءت الأحكام مؤكدة بأن مثل هذه النصوص
جاءت للحفظ لا للتطبيق!
يروي محمد بن إياس الحنفي في المختار من بدائع الزهور في وقائع الدهور : لما تُوفي
أحمد بن طولون خلّف من الذهب عشرة آلاف دينار، ومن المماليك سبعة آلاف مملوك، ومن
العبيد السود أربعة وعشرين ألف عبد، ومن الخيول سبعة آلاف فرس، ومن البغال والحمير
ستة آلاف رأس. ومن الجمال عشرة آلاف جمل، ومن اللؤلؤ والجواهر واليواقيت مائة
صندوق، ومن التحف ما لا يُحصى عدده. وهذا غير الضِّياع والأملاك والبساتين. أما
ابنه خمارويه فقد كان مثلاً فريداً في البذخ والإسراف، فلقد زوّج ابنته قطر الندى
للخليفة المعتضد، وجهزها بجهاز أسطوري، قلَّ أن تجد له في التاريخ نظيراً، حتى قيل
إنه لم يُبق تحفةً من كل لون إلا جمَّلها بها. وبلغت نفقات الجهاز مليون دينار. ولم
يكتفِ بذلك بل أعطاها مائة ألف دينار لتشتري بها من العراق ما قد تحتاج إليه مما
يتعذَّر وجوده في مصر. وبنى لها بين مصر وبغداد قصراً على رأس كل مرحلة تنزل بها،
أمدَّه بكل وسائل الراحة والرفاهية كأنها في قصر أبيها. ومن الطبيعي أن يظهر لهذا
السُّفْهُ أثرَهُ على بيت المال !
وتؤكد الدكتورة سيدة إسماعيل الكاشف في كتابها ·مصر في عهد الإخشيديين : "خلَّف
كافور في خزانته بعد وفاته ما قيمته نحو مليون دينار من الجواهر والثياب والسلاح
والأمتعة".
أما الفاطميون فقد رُويت عنهم رويات ليبلغ مبلغها الأساطير في العبث بالأموال
العامة. وكُتُب التاريخ القديمة والحديثة زاخرة بوصف قصورهم ومواكبهم، وحيازتهم
للثروات الطائلة وحرمان الشعب منها.
فقد كتب د. حسن إبراهيم حسن في بحثه "تاريخ الدولة الفاطمية": "كان للمعزّ أختٌ
تسمى ·سيدة الملك قيل إنها تُوفّيت في خلافة أخيها المعزّ فوُجد عندها من الذهب
ثلاثمائة صندوق، ومن فصوص الياقوت الملوّن واللؤلؤ خمس وبيات ووجد لها مدهن من
الياقوت الأحمر وزنه سبعة وعشرون مثقالاً".
هذا مع ما كان يعانيه سواد الشعب المصري من المجاعات الرهيبة والطواعين والقحط
واختفاء المواد الغذائية. ويكفي أن نشير إلى المجاعة التي حدثت في عهد الخليفة
المنتصر بالله الفاطمي الذي ظل جاثماً على صدر البلاد أكثر من ستين عاماً، حدثت
فيها من البلايا والمصائب والفظائع ما تشيب له الولدان. ويكفي أن نعرف أن الناس
اضطرت إلى أكل الكلاب والقطط ثم إلى أكل جثث من يموت من البشر. واصطلح المؤرخون على
تسمية هذه الفترة بالشدّة العظمى .
وقد فصَّل صاحب كتاب المختار من بدائع الزهور في وقائع الدهور أحداث هذه المجاعة،
ننقل منها ما يلي: ·كان طائفة من الناس يجلسون على السقائف ومعهم حِبال تنتهي
بكلاليب. فإذا مرَّ بهم أحدٌ من الناس ألقوا عليه تلك الحبال ونشلوه بتلك الكلاليب
في أسرع وقت. فإذا صار عندهم ذبحوه في الحال وأكلوه بعظامه! وكان بمدينة الفسطاط
حارة تسمى (حارة الطبق) فيها نحو عشرين داراً، كل دار تساوي في الثمن ألف دينار.
فبيعت بيوت هذه الحارة كلها بطبق من الخبز، كل دار برغيف، فسُمِّيت يومئذ حارة
الطبق .
وبالطبع فإن ما عاناه المصريون من جراء هذه المجاعة كان يمكن أن يكون أقل لولا عبث
الحكام المسلمين بأموال البلاد، والإسراف الذي ليس له مثيل الذي مارسه أسلاف
المستنصر بالله دون وازعٍ من ضمير. ومن المضحك المبكي أن من جاء بعده من الخلفاء لم
يتعظ من "الشدة العظمى" وما حدث فيها من بلاء، فإذا بالخليفة ·الظافر بالله بعد أن
تولى الخلافة (بالتعيين لا بالبيعة) انكبَّ على اللهو والطرب وشرب الخمور. والأنكد
من ذلك والأدهى أنه كان يهوى ابن وزيره ·عباس وينزل إليه ويبيت عنده في غالب
الأوقات. ثم أهداه صينية من ذهب فيها ألف حبة لؤلؤ. ولو كان لحكم الشريعة الإسلامية
سلطة وقدرة على الحكم (كما يدَّعي الإسلاميون) لكان جزاء الظافر بالله هو الحرق
بالنار! فلقد أورد ابن القيم الجوزية في كتابه ·السياسة الشرعية أن أبا بكر أحرق
اللواطية وأذاقهم حرّ النار في الدنيا قبل الآخرة!! ويؤكد د. سعيد عبد الفتاح عاشور
في كتابه ·المجتمع المصري في عهد المماليك : "ظل اللواط منتشراً في سلاطين المماليك
وأمرائهم". حتى إن الذي كان يولع بالجواري ويكتفي بهن يُعتبَر شاذاً مثل
السلطان·حسن الذي قيل عنه: "لم يكن له مَيْل للصبيان كعادة الملوك من قبله"!
وما قيل عن غياب العدالة الاجتماعية، يقال أكثر منه عن غياب الديمقراطية في نظام
الحكم الإسلامي في مصر، فلقد كان كل ملك يورِّث حكم مصر المحروسة للذي يليه كما
يورِّثه قصوره وأملاكه. وليس لعلمائها ولا لفقائها ولا لذوي الرأي ولا للعامة أي
وزن وكما قال الشاعر: "ولا يُستأذنون وهم شهود".
ثانياً - اجتماعياً
أوردت الدكتورة سيدة إسماعيل الكاشف وصفاً دقيقاً للحالة الاجتماعية في المجتمع
المصري في عصر الإخشيديين. قالت: "ولم تجد العامة ملاذاً إلا في الاعتقاد بالخرافات
وكرامات الأولياء. وظهر دجالون أشاع بعضهم عن نفسه أنه رأى النبي وجبريل وعلي بن
أبي طالب. وآخر رأى عبد الرحمن بن ملجم قاتل ·علي وهو يستغيث مما ينزل عليه من
العذاب، فافتتن بهم الناس. ولقد أغرقوا العامة في شرب الخمور والطرب في المجالس
العامة والخاصة، ولم يكن ذلك وقفاً على الشباب بل كان الشيوخ لا يتورّعونه. حتى أهل
الورع من الفقهاء ولم يتحرّج العلماء من سماع المغنّين والمغنيات، وانتشرت المواخير
ودور القمار واللواط".
ولم يكن الانحلال الخلقي والفساد الاجتماعي وقفاً على سلاطين وملوك الدولة
الإخشيدية، فإن التركيب الطَّبقي في عهد الدولة الفاطمية لم يتغير، واستمرت الأمراض
الاجتماعية كما هي، بل لم يتورع الفاطميون عن فرض الرسوم على بيوت الدعارة. ويرى
المؤرخون أنه في غروب الدولة الفاطمية تولى الأمر خلفاءٌ ضعاف، وأصبح الزمام بيد
الوزراء، وحدثت مذابح وفِتن عديدة وحوادث شنيعة كان آخرها حريق مدينة الفسطاط في
عهد آخر الخلفاء الفاطميين العاضد بالله بمشورة خَرْقاء من وزيره. واستمر الحريق
واحداً وخمسين يوماً، حتى صار الدخان يُرى من مسيرة ثلاثة أيام، كما ذكر ذلك المؤرخ
الشهير ابن عبد الحكم .
أما الدولة الأيوبية (إذا استثنينا فترة حكم الناصر صلاح الدين) فإن الحياة
الاجتماعية في مصر على عهدهم كانت سيئة، فقد كان الشعب يعاني من الضرائب التي كان
صلاح الدين قد أبطلها، فإذا بابنه العزيز بالله قد أعادها وزاد في شناعتها. وانتشرت
الخمور، بل حُملت أوانيها جهاراً من غير إنكار. وكانت الدولة تحمي بيوت الدعارة
وأماكن الحشيش، وفُرضت عليها الضرائب الثقيلة، ولم يقدر أحد على معارضة أماكن
الفسوق، وصارت طاحون الحشيش عمالة وعملاً يُكتسب منه، واضطربت الأحوال لقِلَّة
العدل وكثرة المعاصي والفسوق (من كتاب بدائع الزهور).
ومن أهم مظاهر الانحلال الخلقي في عصر الدولة الأيوبية تفشّي الرشوة بين الحكام
والمحكومين، حتى أن المقريزي يذكر أن ·أصل الفساد في عصره هو تحكّم الرشوة في ولاية
الخطط السلطانية والمناصب الدينية، كالوزارة والقضاء وولاية الأقاليم وولاية الحسبة
وسائر الأعمال، بحيث لا يمكن التوصُّل إلى شيء منها إلا بالمال الجزيل !!
هذا هو المجتمع المصري الذي حكمته شريعة الإسلام على مدى قرون طويلة، فهل كان
لأمراضه دواء؟ وهل أنقذت الشريعة الشعب المسكين من مظالم حكمه؟ لقد كانت سوطاً
وسيفاً في أيديهم يضربون به عنق الخارج عليهم بوصفه خارجاً على الطاعة المفروضة
عليهم باسم الشريعة!
لو تتبعنا التاريخ الفعلي لتطبيق الشريعة، باحثين عن مجتمع الحرية والأُخوَّة
والمساواة، لظللنا نتراجع ونتراجع دون أن نهتدي إليه، إلى أن نتوقف عند عصر محمد،
وإن أكدت بعض الدراسات الإسلامية أنه لم يُخْلُ من الأطماع والشهوات التي تقدح في
نزاهة هذا المجتمع.
الفصل الثالث
مأزقٌ مِن معادلةٍ صعبة
لعبت كتابات المفكرين الإسلاميين أبي الأعلى المودودي وسيد قطب دوراً خطيراً في
تأصيل فكرة ·الحاكمية التي جعلتها ·الصحوة الإسلامية شعاراً لها. وأصبحت الجماعات
الإسلامية منذ ذلك الحين لا ترى في دولتها المنشودة إلا أن الحكم لله وحده!
ففي أكثر من ستة عشر مؤلفاً، عدا تفسيره ·في ظلال القرآن حاول سيد قطب أن يروّج
لنظرية الحاكمية . وقد نجح إلى حدٍّ بعيد في توضيحها ورسم خطوطها العريضة والتي ترى
أن العبودية لله هي الركن الأول في العقيدة الإسلامية المتمثل في شهادة ·أن لا إله
إلا الله . والتلقّي عن رسول الله في كيفية هذه العبودية هو شطرها الثاني المتمثِّل
في شهادة أن ·محمداً رسول الله.
وبناء على ذلك فقد ميّز سيد قطب بين نوعين من المجتمعات: الأول ·إسلامي والثاني
·جاهلي . وسِمة المجتمع الإسلامي الأولى أنه يقوم على قاعدة العبودية لله وحده في
أمره كله، كما تمثلها وتكيّفها شهادة ·لا إله إلا الله . وتتمثل هذه العبودية في:
- التصوّر الاعتقادي
- الشعائر التعبدية
- الشرائع والقوانين
ثم ترتب على ذلك نتيجة أخرى هي ·أنه ليس عبداً لله من لا يعتقد بوحدانية الله. وليس
عبداً لله وحده من يتقدم بالشعائر التعبدية لأحدٍ غير الله. ثم - وهذه هي الخطيرة -
ليس عبداً لله وحده من يتلقّى الشرائع القانونية من أحد سوى الله .
أما المجتمع الجاهلي فهو كل مجتمعٍ غير المجتمع الإسلامي . وإذا أردنا التحديد هو
كل مجتمع لا تَخْلص عبوديته لله وحده ممَثَّلة في التصّور الاعتقادي، وفي الشعائر
التعبّدية، وفي الشرائع القانونية. ثم ينتهي سيد قطب إلى أنه بهذا التعريف الموضوعي
تدخل في إطار ·المجتمع الجاهلي جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلاً! بما
فيها المجتمعات التي تزعم أنها ·مسلمة . ولكنها لا تدخل في هذا الإطار، لا لأنها
تعتقد بألوهية أحدٍ غير الله، ولا لأنها تقدم شعائرها التعبدية لغير الله، ولكن
لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها. فهي وإن لم تعتقد بألوهية أحد
غير الله، تعطي أخصّ خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله (من كتاب
معالم في الطريق لسيد قطب).
وفي موضع آخر يوضح سيد قطب هذه النقطة فيقول في كتابه "هذا الدين": ونحن مطالبون
بتحقيق المنهج الإلهي حتى نحقق لأنفسنا صفة الإسلام، فركن الإسلام الأول شهادة أن
لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله معناها القريب إفراد الله سبحانه بالألوهية،
وعدم إشراك أحد من خلقه معه في خاصية واحدة من خصائص هذه الألوهية. وأولى هذه
الخصائص هي حق الحاكمية المطلقة، الذي ينشأ عنه حق التشريع للعباد. فشهادة أن لا
إله إلا الله لا تقوم ولا تتحقّق إلا بالاعتراف بأن لله وحده حق وضع المنهج الذي
تجري عليه الحياة البشرية. وكل من ادَّعى لنفسه حق وضع منهجٍ لحياة جماعة من الناس
فقد ادعى لنفسه الألوهية، لأنه يدَّعي لنفسه أكبر خصائص الألوهية، وهو التشريع !!
هذه هي نظرية الحاكمية التي عاشها وقُتل من أجلها سيد قطب. وقد ترتب عليها ما يلي:
المجتمع القائم اليوم مجتمع جاهلي.
المجتمع الإسلامي اختفى من الساحة منذ قرون.
ليس للمسلمين الخيار في تطبيق الشريعة أو رفضها، لأنها قانون إلهي مُنزَل.
حتمية قيام جماعة إسلامية تحمل عبء عودة المجتمع إلى إسلاميته الضائعة.
مفترق الطرق:
ولقد أدرك بالفعل أبناء العالم الإسلامي أهمية عودة ·الدولة الإسلامية التي أصبح
وجودها ·فريضة شرعية . فأصبح العمل لهذه العودة هدف الإسلاميين جميعاً. غير أن وحدة
الصف الإسلامي لم تدم طويلاً، وسرعان ما أصابه التفتُّت والتشرذم عندما انتقلوا إلى
الخطوة الثانية وهي: ما السبيل إلى عودة المجتمع الإسلامي المنشود؟ فغدا الإسلام
الواحد ألف إسلام، وأصبحت الجماعة أحزاباً وجماعات. منهم من يرى أن الجهاد والقتال
والوقوف بالساعد والسلاح أمام القوى الجاهلية هو الطريق الوحيد لعودة الشريعة.
ومنهم من يؤكد على فعالية القنوات الشرعية التي تتيحها الدولة في إقامة مجتمعهم
الإسلامي. وآخرون يرون أن السبيل هو الانسحاب من الساحة السياسية والعمل على عودة
المسلمين إلى ساحة المساجد وتربيتهم على الخلق الإسلامي القويم. ومنهم من هجر إلى
بطون الصحراء والجبال مكفِّراً المجتمع حكاماً ومحكومين. ولكن بالرغم من هذا
الاختلاف الواضح في وسائل الفصائل الإسلامية للوصول لكيفية تطبيق الشريعة، إلا أن
هناك خطاً عريضاً اتفقت عليه، هو وجوب تطبيق أبناء الحركة الإسلامية الإسلام في
أنفسهم وحياتهم الشخصية حتى يتمكنوا من إقامة مجتمعهم الإسلامي، وأصبحنا لا نكاد
نرى مقالاً أو كتاباً يتناول الحركة الإسلامية إلا ويشير إلى عبارة مؤسس جماعة
الإخوان المسلمين حسن الهضيبي: ·أقيموا دولة الإسلام في أنفسكم تُقَمْ على أرضكم.
إن ميدانكم الأول أنفسكم، فإن انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإذا أخفقتم في
جهادها كنتم على غيرها أعجز . وقال سيد قطب: لن يقام المجتمع الإسلامي إلا إذا
حملته جماعة من البشر تؤمن به إيماناً كاملاً وتستقيم عليه وتجتهد لتحقيقه في قلوب
الناس، وتجاهد لهذه الغاية بكل ما تملك .
ولكن هذا المبدأ الوحيد، الذي أجمعت عليه الفصائل الإسلامية على تعدُّدها وتنّوُعها
في وسائلها، يُعدّ مخالفة صريحة للإسلام كما يفهمونه. فالإسلام كما قدّموه دين شامل
متكامل، وهم لا يعنون بشموليته أنه دينٌ جمع بين العقيدة والشريعة فحسب، أو أنه جمع
بين الجسد والروح، أو أنه شمل الدنيا والآخرة. بل الشمول والتكامل في المنهج
الإسلامي تكاملٌ يجعل من الصعوبة أن تُطبّق جزئية واحدة منه دون باقي جزئياته، ثم
تعطي نتيجة يرتضيها الناس من منهجٍ إلهي. فمثلاً لايمكن أن نطبق عقيدة الإسلام بدون
شريعته، أو نطبق شريعته دون عقيدته. ففي الحالتين يُفقد الشمول والتكامل الذي يؤدي
بدوره إلى فقدان الإسلام عقيدة ومنهاجاً، لأن الشريعة الإسلامية منبثقة من العقيدة،
بل هي جزء منه (سيد قطب المستقبل لهذا الدين).
بل أن التكامل والشمول في المنهج الإسلامي يمتد ليشمل التكامل بين الشريعة والبيئة
التي ستُطبَّق فيها. وهو تكامل حتمي، والفصل بينهما يؤدي إلى القضاء عليهما
تلقائياً. فإن طبَّقنا الشريعة في بيئة يسودها جّوٌ جاهلي لفظتها جماهير الناس. وإن
طبقنا قانوناً جاهلياً في بيئة إسلامية لفظ الجماهير أحدهما. فالتكامل بين البيئة
والشريعة حتمي وضروري.
وبموجب هذا الفهم لشمولية الإسلام وتكامله، يعتقد قادة الحركات الإسلامية أن تطبيق
الإسلام في حياة أبنائها وهم يعيشون في بيئة غير إسلامية دعوة تخالف جوهر الإسلام،
كما أنها مستحيلة التطبيق.
فالمجتمع الإسلامي (بحسب سيد قطب) لا يقوم حتى تنشأ جماعةٌ من الناس تقرر أن
عبوديتها الكاملة هي للَّه وحده، وأنها لا تدين بالعبودية لغير الله، ثم تأخذ
بالفعل في تنظيم حياتها كلها على أساس هذه العبودية الخالصة، تنقي ضمائرها من
الاعتقاد في ألوهية أحد غير الله، وتنقّي شرائعها من التلقي عن أحد غير الله!!
ويقول سيد قطب: "لا بد أن تتمثل القاعدة النظرية للإسلام في مجتمع عضوي حركي منذ
اللحظة الأولى، منفصل ومستقل عن التجمّع الجاهلي، الذي يستهدف الإسلام إلغاءه.
عندئذ فقط تكون هذه الجماعة مسلمة، خلصت ضمائرها من العبودية لغير الله اعتقاداً
وعبادة وشريعة، وهي التي ينشأ منها وبها المجتمع الإسلامي (عن كتاب معالم في
الطريق).
فلكي تعود دولة الإسلام لا بد من قيام جماعة تربّي نفسها على منهجه وأخلاقه وتعيش
به وتدعو إليه - أي يتمثل الإسلام في ·تجمع عضوي حركي بتعبير سيد قطب.
إلا أنه يعود فيؤكد في كتابه ·هذا الدين أن تطبيق هذا التجمع للمنهج الإسلامي
مستحيل في ظل الهيمنة الجاهلية على المجتمع، فيقول في كتابه ·هذا الدين : الذين
يظنون أن أخلاقية الإسلام تجعل منه عبئاً ثقيلاً على البشرية إنما يستمدّون هذا
الشعور مما يعانيه الفرد المسلم حين يعيش في مجتمع لا يهيمن عليه الإسلام. وحين
يكون الأمر كذلك يكون الإسلام بأخلاقياته عبئاً فادحاً بالفعل يقصم ظهور الأفراد
الذين يعيشون بإسلامهم النظيف في مجتمع جاهلي يكاد يسحقهم سحقاً. إن الإسلام نظام
واقعي، يفترض أن الناس الذين يعيشون بمنهجه يعيشون في مجتمع يهيمن عليه الإسلام.
فلا بد إذاً من وسط خاص يعيش فيه هذا التصّور بكل قِيَمه الخاصة، غير الوسط
الجاهلي، ولابد له من بيئة غير البيئة الجاهلية! ومن هنا ينبغي أن يعلم من يريد أن
يكون مسلماً أنه لا يستطيع أن يزاول إسلامه إلا في وسطٍ مسلم يهيمن عليه الإسلام،
وإلا فهو واهم إذا ظن أنه يملك أن يحقق إسلامه وهو فردٌ ضائع مطارَد في المجتمعات
الجاهلية .
وكاتب آخر من كبار أساتذة كبرى الحركات الإسلامية المعاصرة هو الشيخ محمد الغزالي.
وقد وقع في كتابه ·فقه الحركة فريسة نفس التناقض، فقد أكد مراراً أن المجتمع
الإسلامي لا يخرج إلا من القاعدة الإسلامية التي تربَّت على خُلُق الإسلام ومبادئه،
ولا بد من وجود ·مسلمين حقيقيين قبل ظهور المجتمع الإسلامي. ثم نراه ينفي إمكانية
ذلك في مؤلَّفين: أحدهما معركة مصحف فيقول: تتَّجه أوامر الله ونواهيه إلى البيئة
التي يعيش فيها الإنسان، كما تتجه إلى الإنسان نفسه. تتجه إلى البيئة لتشكّلها على
صورة معيّنة، وتفرغها في قالب محدد. كما تتجه إلى الإنسان بالمحو والإثبات فيما
يفعل ويترك. والحكمة من ذلك واضحة، فإن العين القوية لا تستطيع الرؤية في الجو
المظلم، فلا بد من وَسَطٍ يعين على الإبصار حتى تستطيع استبانة ما تريد . ويقول في
بحثه نظرات في القرآن : "إن أثر البيئة في السلوك الإنساني غير منكور، بل الرأي
الراجح أنها أقوى من الوراثة في تكوين الخلق وفي توجيه المرء إلى مستقبله. وأي نظام
ينشد للفرد وجهة خاصة لا يمكن البتة أن يتجاهل ضغط البيئة على الفرد، ووحيها الخفي
والجلي الذي يسيّره كيف يشاء. السيطرة على البيئة إذاً ضرورة لا بد منها لكل رسالة
جادة، ولذلك كان الإسلام ديناً يشرّع للنفس والمجتمع والدولة على حدّ سواء".
إذاً لا سبيل للوصول إلى هذا المجتمع المنشود! ولكن هل أدرك شباب الصحوة الإسلامية
أبعاد التناقض في هذه المعادلة الصعبة؟
الحركة الإسلامية تطالبه بأن يترفّع بنفسه عن أدناس الواقع، والبيئة تفرض عليه
واقعاً لا يستطيع الفرار منه! ويصبح أمام أبناء الحركة الإسلامية أن يختاروا بين
ثلاثة بدائل:
إما أن يثوروا على هذا الواقع وهذه البيئة لتصبح متفقة مع المنهج المطلوب تطبيقه.
وإما أن ينعزلوا خارج المجتمع ويتقوقعوا في أحد الكهوف أو بطون الصحراء والجبال،
ليتمكنوا من ممارسة إسلامهم بعيداً عن ضغط الواقع الجاهلي.
وإما أن يستسلموا ويتخلّوا عن الإسلام كلية.
وهذه بدائل بالرغم من أنها مورست من بعض أبناء الحركة الإسلامية إلا أنها لم ولن
تؤدّي إلى نتيجة أو توصّل إلى هدفٍ إيجابي. واختيار أحدها له أضراره وآثاره السلبية
على الفرد والمجتمع، والتي قد تصل في النهاية إلى تدمير الفرد والمجتمع على حدٍ
سواء.
الفصل الرابع
البيئة وفِقه الأقلية
ينبغي عند دراسة تاريخ الدولة الإسلامية التي أقامها محمد في ·المدينة بعد الهجرة،
أن نميّز بين مرحلتين مرَّت بهما الدعوة الإسلامية لقيام مجتمعٍ قائمٍ على تعاليم
الإسلام هما: المرحلة المكية، والتي استمرت ثلاثة عشر عاماً، والمرحلة المدنيّة
والتي بدأت عقب الهجرة إليها وحتى وفاة محمد.
عندما أراد محمد أن يُقيم دولته الإسلامية وأن يُطبّق شريعته التي أعلن أنها
مُنزَلةٌ عليه من السماء - وكان حينئذ في مكة، حيث الأقلية الإسلامية وسط الأغلبية
الجاهلية - وضع في اعتباره أمرين:
إنه في بيئة غير مواتية، ولا تصلح لتطبيق قوانين شريعته.
إنه لا يمتلك السلطة في هذا المجتمع المكي، والتي تؤهّله لتغيير المجتمع بالقوة،
وفرض شريعته أو تطبيقها تطبيقاً فورياً.
وكان لوضوح هذين الأمرين عند محمد أثر بالغ في توجيه المسار الحركي لدعوته
الإسلامية، يتضح فيما يلي:
لم يفرض محمدٌ على أتباعه الجدد أي شرائع أو قوانين تنظم حياتهم الاجتماعية أو
السياسية أو الاقتصادية.
لم يلزم أتباعه بمنهج أخلاقي جديد كالذي سيفرضه عليهم في المدينة، بعد توفير البيئة
المناسبة لها.
لم يأمر أتباعه بأكثر من استيعاب عقيدة التوحيد والدعوة إليها، والصبر على الابتلاء
الناجم عن ذلك. مجرد دراسة واستيعاب، لم يترتب عليهما أي تطبيق فعلي لمتطلباتهما.
أمر أتباعه بالالتزام بالعادات والتقاليد الحسنة الموجودة في المجتمع المكي.
فلا اندهاش حين نسمع أن أتباع محمد (الصحابة) في المجتمع المكي - وهم المسلمون
الأوائل - شاركوا المجتمع كل معاصيه، فكانوا (وفيهم أميرهم محمد) يشربون الخمر،
ويلعبون الميسر، دون أن يحسّوا أن هناك تناقضاً بين سلوكهم وبين العقيدة الجديدة
التي أُمروا بدراستها والإيمان بها، ما داموا في بيئةٍ لا تسمح لهم بالترفّع
والسمو. ذكر ابن الجوزي في كتابه "زاد المسير": "أنزل الله تعالى في الخمر أربع
آيات: نزل بمكة قوله: "وَمِنْ ثَمَرَاتِ ا لنَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ
مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً" (النحل 16: 67). فكان المسلمون يشربون الخمر في
أول الإسلام وهي لهم حلال. ثم نزل (بالمدينة) قوله: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ" (البقرة 2:
219) فتركها قومٌ لقوله: قل فيهما إثم كبير وشربها آخرون لقوله: ومنافع للناس !
ثم أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً ودعا إليه ناساً من أصحاب محمد فأطعمهم وسقاهم
الخمر. فلما حضرت صلاة المغرب قدّموا أحدهم ليصلي بهم فقرأ: قل يا أيها الكافرون..
أعبد ما تعبدون أي حذف "لا" فنزل قوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُون"
(النساء 4: 43). فحرّم الله السكر في أوقات الصلاة، فكان الرجل يشرب الخمر بعد صلاة
العِشاء فيصبح وقد زال سكره. ثم أن ·عُتبان بن مالك صنع طعاماً، ودعا إليه رجالاً
من المسلمين فيهم ·سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا وشربوا الخمر
حتى أخذت منهم، فافتخروا، وتناشدوا الأشعار. فأنشد بعضهم قصيدة فيها افتخر قومه
وهجا الأنصار. فأخذ رجلٌ من الأنصار لحي بعير فضرب به رأس ·سعد فشجَّه، فانطلق ·سعد
إلى محمد يشكو الأنصار. فأنزل الله: ·إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ
وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ" (المائدة 5: 90).
إلى قوله "فهل أنتم منتهون" فقال عمر بن الخطاب: "انتهينا ربنا انتهينا".
وكان المسلمون الأولون، وأميرهم محمد، يتاجرون في الخمور، ويربحون منها الربح
الفاحش كما يربحون من الميسر!! يقول الإمام القرطبي في كتابه ·الجامع لأحكام القرآن
: فإن قيل: كيف يكون في الخمر منافع مع أنها تذهب بالمال والعقل؟ فالجواب: المراد
بالمنافع في الآية المنافع المادية التي كانوا يستفيدونها من تجارة الخمور ويربحون
منها الربح الفاحش، كما يربحون من وراء الميسر. ومما يدل على أن النفع مادي، أن
الله تعالى قرنها بالميسر .
وكان المسلمون الأوائل يتعاملون بالربا، ولم يجدوا في هذا تناقضاً مع دراستهم
للعقيدة الجديدة والإيمان بها، لأن الواقع الجاهلي كان يفرض عليهم هذا الأسلوب.
يقول الشيخ "الصابوني" في كتابه "تفسير آيات الأحكام" : "مرَّ تحريم الربا بأربعة
أدوار كما حدث في تحريم الخمر".
نزل قوله في الروم 30: 39:"وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ
النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ
وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ". وهذه الآية مكية وليس فيها ما
يشير إلى تحريم الربا، وإنما فيها إشارة إلى بغض الله له، وأن الربا ليس له ثواب
عند الله. فهي إذاً موعظة حسنة.
ثم نزل قوله في النساء 4: 160، 161 "فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا
عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ". وهذه الآية مدنيّة، وهي
درسٌ قصَّه الله على المسلمين من سيرة اليهود الذين حرم عليهم الربا فأكلوه،
فاستحقوا عليه اللعنة والغضب. وهو تحريم بالتلويح لا بالتصريح.
ثم نزل قوله في آل عمران 3: 130: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا
الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً". وهي مدنيّة أيضاً، وفيها تحريمٌ صريحٌ للربا،
ولكنه تحريم جزئي لا كلي، لأنه تحريم لنوع من الربا يسمى الربا الفاحش.
وأخيراً نزل قوله في البقرة 2: 278، 279: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ
تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ
رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ". وهذه هي المرحلة
الأخيرة التي نزل فيها التحريم الكلي القاطع. وهنا نسأل: لماذا لم يفرض محمدٌ على
أتباعه في مكة، حيث سادت البيئة الجاهلية، شرائع ولا قوانين؟ ولماذا لم يضع لهم
برنامجاً أخلاقياً كالذي وضعه لهم في المدينة بعد ثلاثة عشر عاماً من بدء الدعوة؟
ولماذا ترك محمد أتباعه مسلمي المعتقد والفكر، جاهلي السلوك والتصرف؟ ولماذا كانت
المدينة دون مكة هي محطّ نزول الشرائع والقوانين؟
ويجيب سيد قطب بقوله: ·لأن المسلمين الأوائل لم يكن لهم سلطان على أنفسهم ولا على
المجتمع، فكيف ينفّذون هذه القوانين بلا سلطة أو سيادة؟!! .
إن المنهج الأخلاقي الذي يفرضه الإسلام لا يمكن أن يُطبَّق إلا في جّوٍ يسوده
الإسلام ويحكمه. وبما أن البيئة الإسلامية لم تتوفر في مكة فقد تأجل تطبيق الشرائع
والمناهج الأخلاقية لحين ظهور هذه البيئة في المدينة بعد الهجرة.
إذاً: فقياساً على المنهج الحركي الذي أعدَّه محمد وسار عليه أتباعه لقيام مجتمع
إسلامي على أنقاض المجتمع الجاهلي، يظهر خطأ جميع المناهج الحركية التي طرحتها
الجماعات الإسلامية كطرق ووسائل للوصول إلى تطبيق شرائع الإسلام وقوانينه، وأصبح
طرح بديل آخر حتمية يفرضها إصرارهم الملِحّ على إنقاذ البشرية بقوانين الشريعة.
وظهر رأيٌ يقول بإلزام المسلمين بالاقتداء بمحمد في منهجه الحركي الذي نجح في قيام
مجتمع الإسلام في المدينة. ويرون أننا الآن نعيش في فترة ·مكية وبالتالي ·فليسعنا
ما وسع رسول الله فيها . فإن كان المسلمون الأوائل تعاملوا مع الواقع الجاهلي
بجاهلية، فلنتعامل نحن أيضاً مع الواقع بواقعية. وإذا كانت البيئة ذات أثر فعال في
توجيه التشريع الإسلامي وقت نزول القرآن، فلتكن البيئة الآن هي مصدرنا الرئيسي في
تحريمنا وتحليلنا للأشياء، لا آخر ما نزل من الشرع. وحجّتهم واضحة: إن تدرُّج
الشرائع والقوانين الذي حدث مع المسلمين الأوائل في مكة كانت له حكمته، بسبب البيئة
المواتية، فكان لتعطيل المنهج الإسلامي مبرراته التي ما تزال قائمة في بيئتنا
وعصرنا الحالي.
وأصحاب هذا الرأي ينكرون على الفصائل الإسلامية المختلفة اعتراضهم على هذا الرأي
بقولهم إن قول القرآن: "ا لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ا لْإِسْلَامَ دِيناً" (المائدة 5: 3)
أوجب على المسلمين تنفيذ شرائعه وقوانينه وكافة تعاليمه، ناسخة كل مراحل التدرُّج
والتمهيد. وقد طُرح هذا الرأي تحت عنوان ·فقه الأقلية للأستاذ فهمي هويدي، في معرض
الحديث عن وضع المسلمين في أوربا وأمريكا حيث يجدون صعوبة بالغة في تطبيق إسلامهم
في المجتمع الأوربي والأمريكي مما جعلهم يجتهدون في صياغة علاقتهم بذلك المجتمع.
ومن أجل هذه الصياغة كان عليهم أن يعيدوا النظر في العديد من الاجتهادات المستقرة
في الفقه الإسلامي، والتي أفرزتها ظروف العيش في دولة غير مسلمة. فعلى صعيد الأسرة
مثلاً، إذا أخذنا بمبدأ تطليق الزوجة التي تدخل إلى الإسلام من زوجها غير المسلم -
كما هو مستقر في الفقه حالياً - فإن ذلك سيؤدي إلى تدمير مستقبل كل أسرة تهتدي
الزوجة إلى الإسلام، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى مصادرة انتشار الإسلام ذاته - فهل
يطبق المبدأ بأي ثمن، أم تُراعى الظروف؟ وهو ما أقره الإمام المودودي بالنسبة
للأقلية المسلمة في الهند؟
مثال آخر: ماذا يفعل المسلمون الذين يشتغلون في المطاعم وليست لديهم فرص عمل أخرى
بينما تقدم هذه المطاعم لحم الخنزير أو النبيذ وغير ذلك مما هو محرم شرعاً؟ هل
يستمرون في أعمالهم ويقدمون هذه المحرمات للناس؟ أم يتركون تلك الأعمال ويقعدون
عاطلين؟
ومثال ثالث: إذا أراد المسلم أو المركز الإسلامي أن يبني بيتاً أو مقراً، هل يقترض
من البنوك بفائدة أم لا؟ خصوصاً وأن هذا هو الخيار الوحيد المتاح.
ومثال رابع: قضية الاختلاط وقضية الفنون التعبيرية والموسيقى والرقص والغناء.
وأخيراً يقدم الأستاذ هويدي مسألة الحريات كنموذج من طراز خاص. فحتى تمارس الأقلية
المسلمة مختلف حقوقها والتزاماتها العقائدية، فقد بات مهماً أن تكون استراتيجية
المركز الإسلامي منحازة على الدوام إلى جانب إطلاق حرية الاعتقاد والشعائر
والممارسات، وهو ما يستفيد منه الجميع حتى عبدة الشيطان وطبقات أهل الفجور، إذ أنهم
بغير هذا الموقف سيخسرون مجال حركتهم، وبالتالي فإنهم اعتمدوا المنطق الذي يقول
"لنبْقَ مع الحرية حتى لو أدى ذلك إلى وقوع ما يخدش عقائدنا وأخلاقنا".
ومن هذا يتضح أن أصحاب "فقه الأقلية" يتحدثون عن الوضع في البلاد التي تعلن صراحة
أنها ليست إسلامية كأوربا وأمريكا، بينما يتحدث غيرهم عن الوضع في المجتمعات التي
تزعم لنفسها أنها إسلامية، والتي تؤكد بعض مظاهرها الخارجية ذلك.
ونحن نرى أن الاتجاهين متشابهان إلى حد بعيد في جوهر القضية المطروحة، وكلاهما يؤكد
عجز شريعة الإسلام على التطبيق خارج نطاق البيئة المُعدَّة لها، المصنوعة خصيصاً من
أجلها. وهم قد قضوا، بقصدٍ أو بغير قصدٍ، على فكرة صلاحية الشريعة الإسلامية لكل
زمان ومكان. وهناك اتجاه التريُّث والتمهيد والإعداد للمجتمع حتى يصبح قادراً على
استيعاب تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية. وهذا يعني بالطبع حل مشكلة التنمية
والبطالة والفقر والجوع والإسكان والتعليم ومعظم المشكلات التي نكافح منذ عشرات
السنين لنعالجها، دون أن تبدو في المستقبل القريب بارقة أمل لحلّها! وحتى لو أمكن
حل هذه المعضلات والتغلب على جميع الصعاب والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية
والسياسية التي يعاني منها مجتمعنا الحالي.. فهذا يعني أننا قد قمنا بحل مشاكلنا
الرئيسية بوسائل أخرى غير الشريعة، وبذلك تختفي الأسباب التي كانت تستوجب تطبيقها،
محطمين بذلك الأسطورة الثانية التي يقول أصحابها إن الشريعة هي مشروع الإنقاذ
الوحيد القادر على حل معضلات الحياة كلها!!
الفصل الخامس
إسلاميون هازلون
"إني أُنكر وأستنكر استفتاء الإسلام اليوم في أية مشكلة من مشكلات هذا المجتمع،
فالذين يستفتون الإسلام - بحسن نية - هازلون، والذين يردّون على هذه الاستفتاءات،
والذين يتحدثون عن مكان أي وضعٍ مِن أوضاع البشرية الحاضرة من الإسلام ونظامه، أشد
هزلاً".
هذه دعوةٌ صريحة لتنحية رأي الإسلام من ساحة الواقع، وإقصاء الحلول الإسلامية على
المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي من حلبة الصراع الأيدلوجي. والغريب أن الذي
أطلق هذه الدعوة ليس من المعسكر الشيوعي ولا من التيارات التي تُوصف بالعداء للتيار
الإسلامي، ولا هو من الذميين الحاقدين على الإسلام والمسلمين، لكنه من ذات القاعدة
التي أطلقت وما زالت تطلق دعوتها بالمطالبة الفورية بتطبيق الشريعة الإسلامية!
هذه دعوة سيد قطب عملاق الفكر الإسلامي - كما يحلو لبعض الإسلاميين وصفه - وهو
المنتج الأيدلوجي لجماعة الإخوان المسلمين أُم الحركات الإسلامية المعاصرة.
ومؤلفاته - التي دّون فيها هذه الدعوة وشرحها وأيدها بالأدلة وجعل منها نظرية فقهية
جديدة - من أكثر الكتب الإسلامية رواجاً وانتشاراً، كما يؤكد ذلك المراقبون للحركة
الثقافية، وهو صاحب أعظم تفسير حركي للقرآن.
لقد أدرك سيد قطب أن الإسلام لا يمكن أن يُطبَّق إلا في مجتمع خاص به، وبيئة من
صنعه. ولذا فعندما أعلن في كتابه ·معالم في الطريق جاهلية المجتمع الذي نعيش فيه،
أعلن أيضاً أنه لا يصلح لتطبيق القوانين الإسلامية. واعتبر تقديم وجهة النظر
الإسلامية لقضايا هذا المجتمع عبثاً وهزلاً ينافي روح الإسلام الواقعية. فالواجب أن
يُسلم هذا المجتمع أولاً ويفهم معنى ·لا إله إلا الله . فإذا دخل في الإسلام أمكنه
أن يجتهد لحل مشكلاته. أما دُعاة الإسلام فقد وقعوا فريسة مناورةٍ خبيثةٍ من
الجاهلية دفعتهم إلى إحراج الإسلام عندما حاولوا تقديم شرائعه في غير بيئته· فيجب
على دُعاة الإسلام ألاّ يستجيبوا لها وأن يكشفوها ويستَعْلوا عليها، وأن يرفضوا
السخرية الهازلة فيما يُسمَّى ·تطوير الفقه الإسلامي في مجتمع لا يعلن خضوعه لشريعة
الله .
وهو يهاجم من أسماهم المخْلِصين المعجّلين من أصحاب الدعوة الإسلامية، الذين
يُخيَّل إليهم أن ·عرض أسس النظام الإسلامي والتشريعات الإسلامية على الناس مما
ييسّر لهم طريق الدعوة ويحبّب الناس في هذا الدين. وهو وهمٌ تنشئه العَجَلة وعدم
التدبُّر لطبيعة هذا الدين ومنهجه الرباني (من مقدمة تفسيره لسورة الأنعام).
ويفصِّل سيد قطب دعوته في كتابه ·الإسلام ومشكلات الحضارة فيقول: "إن محاولة وضع
أحكام تشريعية فقهية إسلامية لمواجهة أقضية المجتمع الذي تعيش فيه البشرية، والذي
ليس إسلامياً، ليست من الجد في شيء، وليست من روح الإسلام الجادة في شيء. إنه عبث
مضحك أن نحاول مثلاً إيجاد أحكام فقهية إسلامية للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في
أمريكا أو روسيا، وكلتاهما لا تعترف ابتداءً بحاكمية الإسلام".
إن أبا بكر وعمر وعلياً وابن عباس، ومالكاً وأبا حنيفة وأحمد بن حنبل والشافعي،
وأبا يوسف والقرافي والشاطبي، وابن تيمية وابن قيم الجوزية والعز بن عبد السلام
وأمثالهم، كانوا وهم يستنبطون الأحكام:
أولاً - يعيشون في مجتمع إسلامي يحكّم الإسلام وحده في شئونه، حتى مع بعض المخالفة
الجزئية في بعض العصور.
ثانياً - كانوا يزاولون العقيدة الإسلامية والمنهج الإسلامي في حياتهم الخاصة، وفي
إطار المجتمع الإسلامي الذي يعيشون فيه، ويتذّوقون المشكلات ويبحثون عن حلولها
بالحسّ الإسلامي، ومن ثمّ كانوا مستوفين للشرطَيْن الأساسيين لنشأة فقه إسلامي
وتطّوره ليواجه الأحوال المتطّورة، فوق استيفائهم طبعاً لشروط الاجتهاد. أما الآن،
فمع احترامي الكبير للعلماء المعاصرين والتجاوب مع شعورهم المخلص ورغبتهم المشكورة،
وتقديري للجهد الذي يبذلونه - يحاولون استنبات البذور في الهواء. وإلا فأين هو
·المجتمع الإسلامي الذي يستنبطون له أحكاماً فقهية إسلامية يواجه بها مشكلاته؟
إن كل حكم فقهي يوضع الآن لمواجهة مشكلة قائمة في المجتمعات التي ليست إسلامية، لن
يكون هو الذي يصلح الواقع في مجتمع إسلامي، لأن هذه المشكلة ذاتها قد لا تقوم أصلاً
في المجتمع الإسلامي حين تقوم. وإذا قامت فلن تكون بحجمها وشكلها، ولن تكون طريقة
المجتمع في مواجهتها، وهو إسلامي، هي طريقته في مواجهتها وهو جاهلي .
هذا ما انتهى إليه عملاق الفكر الإسلامي الشيخ سيد قطب في مؤلفاته، وقد جاء حلاً
للعديد من المعضلات التي طرحتها كتابات الإسلاميين في ·فقه الحركة .
جاءت دعوته لتنحية الإسلام من الساحة متماشية مع ما يقدمه الإسلاميون من فهم شامل
للإسلام. فهذا التراث الذي ورثه المسلمون المعاصرون من قوانين وتشريعات موجودة في
بطون الكتب القديمة، جاء من مجتمع مسلم، ونشأ من خلال حركة هذا المجتمع المسلم في
مواجهة حاجات الحياة الإسلامية الواقعية. كذلك لم تكن الشريعة الإسلامية هي التي
أنشأت المجتمع الإسلامي، إنما كان المجتمع الإسلامي بحركته الواقعية لمواجهة حاجات
الحياة الإسلامية هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي. فالإسلام كما قدمه الإسلاميون دين
ودولة، ومصحف وسيف وعبادة وقيادة. وهو قبل هذا وبعده دين متكامل يتضح تكامله من
مناهجه التشريعية النابعة من بيئته، بحيث لا يمكن تطبيق هذه التشريعات خارج نطاق
بيئته التي فُصِّلت من أجله تفصيلاً. فإذا لم تكن تلك البيئة موجودة افتقدت دعوة
تطبيق الشريعة أهم سند لها!
ستحل دعوة تنحية الإسلام من الساحة لغز المعادلة الصعبة، وسترفع التناقض الواقع على
أبناء الحركة الإسلامية حين يُطالبون بتطبيق منهج الإسلام في أنفسهم ليُقام على
أرضهم، في حين لا توجد البيئة المساعدة على ذلك. إذ أنه بموجب هذه الدعوة أصبحوا
أحراراً من قيود المناهج الإسلامية غير القابلة للتطبيق في البيئة المعاصرة، أو
·البيئة الجاهلية بتعبيرهم.
تُقدّم دعوة سيد قطب الحل المنطقي للأسئلة التي كانت تطرح نفسها إزاء مبادئ الشريعة
والتي كانت تبدو غريبة، مثل عدم تزكية النفس وعدم ترشيحها للمناصب، وهو المأخوذ من
قول القرآن: "فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ" (النجم 53: 32). ومن قول محمد "إنّا
والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله". فإن الباحثين الإسلاميين ظلوا يبحثون عن حل
لتطبيق قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية، فإذا بهم في حيرة. فكيف سيختارون
أهل الحل والعقد أو أهل الشورى، من غير ترشيح من أنفسهم ولا تزكية؟
وكيف يمكن هذا في مثل هذه المجتمعات التي نعيش فيها، والناس لا يعرف بعضهم بعضاً،
ولا يوزنون بموازين الكفاية والنزاهة والأمانة؟ وكيف سيختارون الإمام؟ هل يكون
الاختيار من عامة الشعب أم يكون من ترشيح أهل الحل والعقد؟ وإذا كان الإمام سيختار
أهل الحل والعقد - متابعة لعدم تزكيتهم وترشيحهم لأنفسهم - فكيف يعودون هم ليختاروا
الإمام؟ ألا يؤثّر هذا في حكمهم؟
ثم إذا كانوا هم الذين سيعودون فيرشحون الإمام، ألا تكون لهم ولاية عليه وهو الإمام
الأعظم؟ ثم ألا يجعله هذا يختار أشخاصاً يضمن ولاءهم له، ويكون هذا هو العنصر الأول
في اعتباره؟
ورفض سيد قطب طرح مثل هذه الأسئلة وغيرها من مناهج الشريعة، لأن طرحها الآن والبحث
عن إجابات عنها في كتب الفقهاء القديمة يُعدّ اعترافاً ضمنياً بإسلامية المجتمع
الحاضر، وهو ليس كذلك. وهو أيضاً اعتقاد بأنهم سيجيئون بقواعد الإسلام ونظامه
وأحكامه الفقهية لتُطبَّق على هذا المجتمع الجاهلي بتركيبه العنصري الحاضر وبقيمه
وأخلاقه الحاضرة. وهذا أمر لا يصعب تحقيقه فحسب، بل يُعدّ مخالفةً لروح الإسلام
أيضاً.
وأخيراً أقتبس كلمات سيد قطب من كتابه ·في ظلال القرآن : ·إن العمل في الحقل الفكري
للفقه الإسلامي عمل مريح، لأنه لا خطر فيه. ولكنه ليس عملاً للإسلام، وهو لا من
منهج هذا الدين ولا من طبيعته. وخير للذين ينشدون الراحة والسلامة أن يشتغلوا
بالأدب والفن أو التجارة. أما الاشتغال بالفقه الآن على هذا النحو بوصفه عملاً
للإسلام في هذه الفترة، فأحسب - والله أعلم - أنه مضيعة للوقت والأجر معاً .
وقول سيد قطب هذا في حق الفقهاء المعاصرين ألقى في وجوههم قنبلة لم تُودِ بحياتهم
فقط، ولكن أدَّت إلى مصرع دعوته أيضاً. فلم تعد حركته الإسلامية التي ينتمي إليها
تملك عناصر البقاء، إذ أن دعوة تنحية الإسلام وشريعته من المجتمع إقرارٌ ضمني
بشرعيّة عمل القوانين الوضعية لحين قيام المجتمع المنشود، الذي لم يوضح سيد قطب
وأقرانه لنا كيف يقوم وما الطريق الذي يوصّل إليه.
الفصل السادس
حتمية التشريع البشري
عندما قامت الثورة الإسلامية الإيرانية وأقامت حكماً إسلامياً كاملاً في بلدٍ يملك
جميع مقّوِمات النهوض والتقدم، من طاقةٍ بشرية وموارد طبيعية وفيرة على رأسها
التدفّق الغزير للبترول، وحضارة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، كان الناس ينظرون
إلى الثورة الإسلامية الوليدة على أنها اختبارٌ حاسم لجميع الحركات الإسلامية
المعاصرة. فإذا نجحت في إقامة ·مجتمع العدل والحرية والتقدم كان معنى ذلك أن هذه
الحركات ستكسب قوة دفعٍ هائلة يصعب إيقافها في أي بلد من بلدان العالم الإسلامي
الذي يشكو من التخلّف، ويرزح تحت أعباء أنظمة قمعية، ويتعطش لتلك الأصوات المنادية
بالحكم الإسلامي وتطبيق الشريعة. فالاختبار الحاسم كان هناك في تلك الثورة التي
أمسكت بزمام بلد إسلامي عظيم الأهمية له ماضٍ عريق، ومستقبل حافل بالإمكانات
المشجِّعة.
ومع ذلك فإن مظاهر الإخفاق التي توالت على هذه الثورة الإسلامية عاماً بعد عامٍ، لم
يتردّد صداها على الإطلاق لدى المنادين بالحكومة الإسلامية في بقية أقطار العالم
العربي والإسلامي، فلم يتأثر هؤلاء بما انتهت إليه الثورة الإسلامية منذ إحكام قبضة
رجال الدين على الدولة. وإنما ظلوا يرددون زعمهم القائل إن الحكم الإسلامي لا يعني
تسليم زمام الأمر لرجال الدين. ولم يُبْدِ هؤلاء الدعاة أي استنكار لقيام هذه
الحكومة بتصفية أحزاب المعارضة واحداً بعد الآخر، أو لتلك المحاكمات الصورية
المتعجلة التي كان ·خلخاني يصدر فيها أحكام الإعدام بنفس السرعة التي يقرأ بها مدرس
الفصل نتيجة الامتحان على تلاميذه، أو لفرض مناهج متزمّتة على التعليم الجامعي
والتعليم العام، أو لروح الكآبة والعبوس التي سادت حياة الناس اليومية وارتسمت على
تعبيرات وجوههم.
ولم تمض إلا سنوات قلائل حتى طُبِّقت تجربةٌ أخرى في السودان في ظروف مختلفة كل
الاختلاف. وكان التطبيق هذه المرة بقرارٍ من حاكمٍ فرد، ظل يتقلّب بين الأنظمة
والاتجاهات المختلفة، من اليسار إلى اليمين الإسلامي. وهلَّل دعاة تطبيق الشريعة
لتجربة ·النميري على الرغم من مظاهر الظلم الصارخة، وطالبوا معارضيهم أن يمنحوا
الرجل فرصة. وتجاهلوا المجاعة وأحكام الإعدام والاستنزاف الدائم لثروة البلاد،
وسرقات الحكام لأموال الشعب بأسره. ووضعوا هذا كله في كفة والتطبيق الشكلي لحدود
السرقة والخمر والزنا في كفة أخرى، فرجحت الكفة الثانية لديهم على المظالم الفادحة
التي كانت في الكفة الأولى.
كانت هاتان آخر محاولتين )قبل كتابة هذا الكتاب( لتطبيق الشريعة الإسلامية ضمن
سلسلة أطول من المحاولات الأسبق عهداً، كان على رأسها محاولة السعودية ثم باكستان،
فضلاً عن المحاولات الجزئية في إندونيسيا وليبيا. وفي جميع هذه المحاولات كانت
النتائج واحدة: أنظمة للحكم تبعُد كل البعد عن الحرية والعدالة والمساواة وجميع
القيم التي سعت إلى إقرارها كافة الأديان ودعا إليها الفلاسفة والمصلحون منذ أقدم
العصور. ومع ذلك فإن دُعاة تطبيق الشريعة الإسلامية في بلادنا لم يعيروا أي إهتمام
لذلك الإخفاق الصارخ الذي انتهت إليه تلك التجارب السابقة بل زادت أصواتهم
ارتفاعاً، في نفس الوقت الذي كانت فيه تجربة تطبيق الشريعة في السوادن قد تحولت إلى
فضيحة عالمية مدوية.
فعلام يدل هذا التجاهل التام للواقع وللتاريخ القريب وللأمثلة والنماذج الملموسة؟
وكيف يرضى أي مجتمع أن يسلّم مقاليد أموره لجماعات تُغمض عينيها عن التجارب المحيطة
بها ولا تحاول أن تتعلم من الدروس الماثلة أمامها، أو أن تُراجع خطواتها، وتُعيد
النظر في أهدافها في ضوء الواقع الملموس؟
إن الرد الجاهز الذي يرد به أنصار هذه الجماعات على كل من ينبّههم إلى إخفاق هذه
التجربة في تطبيق الشريعة هنا أو هناك هو: ·ليس هذا هو الإسلام. إن خطأ نميري أو
غيره هو خطأ أشخاص، وليس خطأ الإسلام في ذاته . ولكن هذا الرد حقٌّ أُريد به باطل،
فهو ينطوي على مغالطات فادحة، لأن أية تجربة تُطبَّق في أي مجتمع آخر ستكون بدورها
مجرد تطبيق آخر! فهل بذلت جماعاتنا الإسلامية الداعية إلى تطبيق الشريعة أي جهد
لتضمن على نحو قاطع تطبيقاً يخلو من هذه العيوب؟
وإذا قيل لنا: إن هؤلاء قد انحرفوا عن جوهر الإسلام، فهل نسينا أن كلاً منهم كان
ولا يزال يؤكد أن تجربته هي التعبير الحقيقي لجوهر الإسلام، ويجد بين رجال الدين
والإعلام في بلده من يقدم له أقوى الحجج التي تثبت صحة هذا التأكيد؟ فما الذي يضمن
لنا ألا يتكرر ذلك في تجربتنا نحن؟ وعلى أي أساسٍ نأمُل في أن نكون نحن دون الباقين
جميعاً قادرين على تجنُّب انحرافات التطبيق وتحقيق لبّ الإسلام وحقيقته؟
إن التجاهل التام للتاريخ، وإغماض العين عن الدروس التي يقدمها الواقع الفعلي، هو
السمة التي تميّز موقف الحركات الإسلامية من كافة التجارب السابقة على مرّ التاريخ
الإسلامي، فهي ترسم لنا صورةً للتاريخ الإسلامي مستمدَّة من النصوص الدينية فحسب.
فإذا تحدثت مثلاً عن موقف الإسلام من العدالة الاجتماعية، جاء حديثها مليئاً
بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدعو إلى تلك العدالة، وتقف عند هذا الحد.
وتتصور أنها قد أثبتت بذلك قضيتها الرئيسية، وهي أن الإسلام يدعو إلى العدالة
الاجتماعية، وأنها تتحقق في الإسلام خيراً مما تتحقق في أي نظام آخر. لكن هل اقتباس
النصوص وحدها يكفي لإثبات هذه القضية؟
إن دُعاة تطبيق الشريعة يرتكبون خطأً فادحاً حين يركزون جهودهم على الإسلام كما ورد
في الكتاب والسُّنة، ويتجاهلون الإسلام كما تجسَّد في التاريخ، أعني حين يكتفون
بالإسلام كنصوص ويغفلون عن الإسلام كواقع. ويزداد هذا الخطأ فداحة إذا أدركنا أن
محور دعوتهم هو مشكلات الحكم والسياسة وتطبيق أحكام الشريعة، وكلها مشكلات ذات طابع
·عملي لا يكفي فيه الرجوع إلى النصوص، وإنما ينبغي أن يكمله على الدوام الاسترشاد
بتجربة الواقع، فنحن في هذه الحالة لسنا إزاء مشكلة فلسفية أو كلامية نظرية، بل
إزاء مشكلة تنتمي إلى صميم الحياة العملية للإنسان. ومن ثمَّ كان تجاهل ما حدث طوال
التاريخ الماضي وفي المحاولات المعاصرة للوصول إلى حكم إسلامي خطأ لا يُغتفر.
وقد جرت عام 1986 ندوة بالقاهرة موضوعها ·الإسلام في مواجهة العلمانية تحدث فيها
الأستاذ الدكتور فؤاد زكريا، أقتبس بعض ما قاله: ·يردّد دُعاة تطبيق الشريعة عبارات
ذات تأثير عاطفي هائل على الجماهير، فتمرّ دون أن يتوقف أحدٌ لمناقشتها. وتتناقلها
الألسن محتفظة بمحتواها الهلامي حتى تشيع بين الناس وكأنها حقائق نهائية ثابتة، مع
أنها في ضوء التحليل العقلي عبارات مليئة بالغموض والخلط. وسأكتفي من هذه العبارات
باثنتين: ·الحكم الإلهي في مقابل الحكم البشري و·صلاحية أحكام الشريعة لكل زمان
ومكان .
·أما العبارة الأولى فإني أعترف أني عاجز عن فهم تعبير ·الحكم الإلهي أو الاحتكام
في كل شيء إلى شرع الله، أو ·الحاكمية وما شابه ذلك من التعبيرات. إن الرجوع إلى
النصوص الإلهية في الحكم لا يحول دون تدخّل العنصر البشري في اختيار النصوص
الملائمة وتفسيرها بالطريقة التي تُرضي مصالح الحاكم، على نحو ما كان يحدث طوال
معظم فترات التاريخ الماضي والحاضر. ففي عصر النبوّات وحده كان يجوز الكلام عن حكم
إلهي. أما طوال التاريخ اللاحق الذي انتهى فيه ظهور الرسل والأنبياء، فإن مهمة
الحكم أصبحت بشرية وستظل بشرية، حتى لو كانت الأحكام التي يُرجع إليها إلهية. فأسمى
المبادئ الدستورية لا تحول دون أن يضطهد حاكم طاغية رعيته وينشر الرعب والظلم
بينهم. وبالمثل فإن أرفع التشريعات السماوية لا تمنع - ولم تمنع طوال التاريخ - من
وجود حكام مستبدّين يفسرونها على هواهم. والدرس البسيط الذي نستخلصه هو أن تطبيق
أحكام الشريعة ليس في ذاته ضماناً لأي حكم أفضل من تلك الأنظمة التي ظلت تستبدّ بنا
طوال التاريخ. وإنما المهم والأساسي والجوهري هو ·الضمانات التي تمنع الحاكم من
الانحراف. ومفهوم ·الضمانات بشري بحت، تطور على مدى التاريخ، وخضع لأسلوب المحاولة
والخطأ، واستطاعت البشرية أن تنمّيه وتزيده إحكاماً بعد تجارب طويلة مريرة أخفق
الكثير منها ونجح القليل نجاحاً نسبياً. ولكن الناس ما زالوا يتعلمون ويستفيدون من
كل تجربة.
·أما العبارة الثانية التي يختلط معناها في الأذهان فهي صلاحية أحكام الشريعة لكل
زمان ومكان. فأنا أشك كثيراً في أن يكون هناك نص ديني مباشر يحمل المعنى الذي فهمه
بها قائلوها! وأعتقد أن التفكير في هذه العبارة بشيء من التعمُّق يكشف فيها عن
تناقضين أساسيين:
·الأول: يرجع إلى أن الإنسان كائن متغيّر، ومن ثمَّ ينبغي أن تكون الأحكام التي
تنظم حياته متغيّرة. وهذا يحتّم أن تكون القواعد التي يخضع لها متغيّرة بدورها.
فالعقل البسيط والمباشر يأبى أن يكون في المجال البشري ما يصلح لكل زمان ومكان، ما
دام الإنسان ذاته قد طرأت عليه تغيرات أساسية في الزمان، منذ العصر الحجري حتى عصر
الصواريخ، كما طرأت عليه تغيرات جوهرية في المكان ما بين بيئة الجزر الاستوائية
البدائية وبيئة المدن الصناعية الشديدة التعقيد.
·أما التناقض الثاني: فهو أن قولهم هذا يعني الحَجْر على الإنسان والحكم عليه
بالجمود الأبدي، لأن الله قد وضع للناس، في وقتٍ ما، شرائع ينبغي أن يسيروا وفقاً
لها إلى أبد الدهر. وأقصى ما يمكنهم أن يتصرفوا فيه هو أن يجدّدوا في تفسير هذا
النص أو تأويل ذاك، ولكن الخطوط العامة لمسار البشرية اللاحق كله مرسومة ومحدَّدة.
والتناقض هنا يكمن في أن أصحاب هذا الفهم يؤكدون في الوقت ذاته أن الله قد استخلف
الإنسان في الأرض، وكرَّمه على العالمين. فهل يتمشَّى هذا الاستخلاف مع تحديد
المسار البشري مقدَّماً، ووضع قواعد يتعيّن على الإنسان ألا يخرج عنها مهما تغيَّر
وتطّوَر؟ هل يمكن أن يلجأ الأب الحريص على رعاية أبنائه وسلامة نموهم العقلي
والنفسي إلى وضع قواعد ثابتة وأوامر محددة لا يحيدون عنها طوال حياتهم؟ أليس مما
يتمشَّى مع حرصه عليهم أن يترك لهم هامشاً واسعاً من حرية التصرف؟
في الميدان البشري لا شيء ثابت أو نهائي. ولقد اعترف الكثيرون بهذه الحقيقة، ولو
بصورة ضمنية، حين ميَّزوا بين أحكام الشريعة العامة وبين تطبيقاتها، وأكدوا أن
الحكم العام يقبل تفسيرات ينبغي الاجتهاد فيها حسب متطلبات كل عصر. وهذا موقف سليم،
ولكن ينبغي أن ننتبه جيداً إلى النتائج التي تترتَّب عليه. فكلما ازداد العصر
تعقيداً وكلما جدَّت عليه متغيّرات عملية وتكنولوجية واجتماعية واقتصادية كان معنى
ذلك أن دور الاجتهاد يتزايد، ودور المبدأ العام يتناقص، بحيث أن القدر الأكبر من
الجهد الذي يُبذل من أجل تدبير شئوننا يصبح بشرياً، ويتعيَّن علينا أن نعتمد على
عقولنا وتفكيرنا في معظم أمور حياتنا. وبقدر ما تزداد المسافة اتِّساعاً بيننا وبين
عصر نزول الوحي، تزداد حاجتنا للاجتهاد البشري. إذاً سيظل هناك صراع بين الطابع
التفصيلي للنص الإسلامي ومدى شموله، فكلما ازداد تفصيلاً زادت صعوبة تطبيقه في ظروف
الحياة الإنسانية الدائمة التغيُّر. فإذا حُلَّ هذا الصراع عن طريق الاكتفاء بأعم
مبادئ الشريعة كان معنى ذلك ملء التفاصيل من مصدر آخر غير الشريعة، هو مقتضيات
العصر ومتطلّبات المجتمع في زمن معين، وتجربة الإنسان وخبرته الدنيوية، وكذلك ما
يستمده من خبرات المجتمعات والشعوب الأخرى. فإذا عملت حساب تغيّر الأحوال البشرية
كان من الضروري أن يقلّ شمول النصوص وتقتصر على العموميات، وإذا أصررت على التطبيق
التفصيلي للنصوص كان معنى ذلك أنك تتجاهل حقيقة التغير.
·إذاً سيظل النص الديني في حاجة إلى البشر ليصبح حقيقة واقعة ويطبق في مجال إنساني
ملموس. وعلى الرغم من أن الإسلام لا يعرف كهنوتاً، ولا يعترف بهيئة كنسيّة منظمة
تكون ·وسيطاً شرعياً بين كلمة الله وأفعال الإنسان، فإن تفسير النص الديني على يد
إنسان ما يظل أمراً لا مفرّ منه حتى يصبح هذا النص حقيقة واقعة، وهكذا يبدو من
الضروري وجود ·توسّط بشري من نوع ما بين النص والواقع، وفي عملية التوسّط البشري
هذه تظهر كافة الأخطاء والتحيّزات التي يتعرض لها بنو الإنسان. فإذا كان النص
إلهياً مقدساً فإن من يطبّقه ويفسّره إنسان يتصف بكل جوانب الضعف البشرية. وأخطر ما
في الأمر أن الإنسان الذي يتصدى لهذا التفسير والتطبيق يُضفي على نفسه قدراً )يزيد
أو ينقص( من تلك القداسة التي تتَّسم بها النصوص الدينية، ويقدم أوامره أو فتاويه
للناس بوصفها تعبيراً عن رأي الدين ذاته، لا عن فهمه هو للدين، ويصف معارضيه بأنهم
أعداء الدين، لا بأنهم أعداء طريقته الخاصة في تفسير الدين.
إن الحكم تجربة بشرية، قد تصيب وقد تخطئ. وحين نعترف منذ البداية بهذا المبدأ يصبح
إمكان تصحيح هذه التجربة قائماً على الدوام. ولكن الحكم الذي يرتكز على السلطة
الدينية، والذي هو على الدوام حكم بشري يعطي نفسه سلطة تفوق سلطة البشر، لا يصحح
أخطاءه بسهولة، وربما أضفى على نفسه نوعاً من العصمة يمنعه أصلاً من الاعتراف بأي
خطأ .
وبعد..
فإن ما تقدم من صفحات وما طرحتُه من علامات استفهام حول شريعة الإسلام لم يطرحها
المناظر المسيحي وحده، بل شارك فيها علماء المسلمين، وعلى رأسهم الشيخ سيد قطب،
والمودودي، وعدد من أساتذة التاريخ الإسلامي والفقه والشريعة، فضلاً عن التيار
العلماني وعلى رأسه الدكتور فؤاد زكريا الذي ختمت بحثي بكلمته.