التاريخ : 19/11/2006

المصدر : أصوات العراق



قال وزير الكهرباء في حكومة إقليم كردستان اليوم السبت إنه سيتم إقامة أربع محطات لتوليد الكهرباء تعمل بالنفط و الغاز السائل على مدار العامين المقبلين.
وقال هوشيار سيويلي لوكالة أنباء ( أصوات العراق) المستقلة ' تعاقدنا مع شركة ماس أردن لتأسيس محطة في قضاء جمجمال (65 كم) غرب السليمانية تعمل بالغاز طاقتها 750 ميجاوات.'
وأضاف ' سيتم إنجاز المشروع على ثلاث مراحل في 18 شهرا.'
وأشار إلى أن ' وزارة الكهرباء العراقية تعاقدت مع نفس الشركة لتأسيس محطة مماثلة في أربيل بطاقة 500 ميجاوات خلال عام ' غير أنه لم يشر الى موعد بدء العمل بالمشروع.
وقال سيويلي 'عقدنا إتفاقا آخر مع شركة ATI البريطانية لتأسيس محطة أخرى في ناحية خبات (شمال غرب أربيل) تولد 200 ميجاوات وتعمل بالنفط الأسود، منتصف العام القادم.'
وأشار إلى أنه ' تم الاتفاق مع شركة جاكو الكندية لتأسيس محطة ثالثة في ناحية طق طق(98كم) شمال غرب السليمانية تولد 260 ميجاوات وتعمل بالنفط الخام في نهاية العام القادم.'
وقال الوزير' بعد الإنتهاء من المشاريع المذكورة ، سنقوم بشراء الكهرباء منهم بسعر 2.5 – 3 سنت لكل كيلو وات.'
يذكر أن أقليم كردستان يعاني من نقص شديد في الطاقة الكهربائية حيث يزود الأهالي بنحو ثلاث ساعات من الكهرباء الوطنية.
ويحتاج الإقليم الى 980 ميجاوات لتوفير كهرباء مستمرة للجميع، من هذه النسبة يزود الحكومة المركزية الأقليم بـ 130 ميجاوات بالإضافة الى 140 ميجاوات تنتجها محطتي دوكان و دربنديخان (شمال و جنوب السليمانية).
 

 

 

http://www.legoorin.com/kurds.php

 

الأستاذ مسعود البارزاني واستراتيجية إقامة الدولة الكردية / الحلقة الأولى

حبيب تومي
habibtomi@chello.no
الحوار المتمدن - العدد: 1706 - 2006 / 10 / 17
 

الأستاذ مسعود البارزاني واستراتيجية إقامة الدولة الكردية ـ 1 ـ
الحلقة الأولى
المقدمـــة
يرتبط اسم البرزان والبرزانيين بعروة وثقى مع القضية الكردية وكردستان ، حيث ان لهذه المدينة ولعائلة البرزاني بصمات جلية على مسرح كينونة وسيرورة الثورة الكردية والشعب الكردي عبر التاريخ المعاصر . ولدراسة هذا الأمر ينبغي على الباحث ان يسلط الأضواء اولاً على (الثورة الكردية ) باعتبارها الرحم الحاضن لولادة الدولة الكردية المعاصرة ، والتي تمخضت عن الظروف التي يمكن معها وضع الخطوط الأولية في هندسة ورسم الدولة الكردية على الخارطة السياسية للعالم المعاصر .
ان تجربة بنيان ( الدولة الكردية ) سبق ان شيّد في مطاوي العقد الخامس من القرن الماضي وذلك في اعقاب الحرب الكونية الثانية في كردستان أيران ، وعرفت بجمهورية مهاباد أو ( مهابات ) ، لكن التجربة تعثرت وآلت هذه الجمهورية الفتية الى السقوط بعد عمر قصير .
لكن اليوم نشهد تطورات مثيرة على المسرح الدولي والأقليمي ، نحن نعيش في عصر يعني بمفهومية ، حق الشعوب في تقرير مصيرها بعد انتشار الحركات القومية والأقلوية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في قارات العالم . إنه السبيل الذي مهد نحو بعث الأستراتيجيات السياسية المعتمدة على ركائز أثنية ـ أثنواستراتيجيات ـ إذ إن تفكك الأتحاد السوفياتي السابق ويوغسلافيا وجيكوسلوفاكيا الى دول مستقلة ، وتصاعد عدد الدول المنضوية الى هيئة الأمم المتحدة الى 188 دولة وهو مرشح الى الزيادة وليس الى النقصان ، وهذا يفسر الحقيقة الأفتراضية بتنامي النزعات الأثنية المتجهة نحو المفاهيم الأستقلالية لتكوين دول جديدة في المنظمة الأممية .
أصـل الأكـراد
حين البحث في اصول شعب لا مناص من الأستعانة بما يتوفر من مختلف العناصر المساعدة كالأسم واللغة والعرق والأدب والآثار المستكشفة وغيرها من العوامل التي تساعدنا في بلوغ مأربنا من هذه الدراسة الموجزة .
يشير الكاتب باسيلي نيكيتين في دراسته السوسيولوجية عن الكرد وأصولها ، بأن الكاردوخيين الذين تكلم عنهم ( زينفون ) في روايته عن الأنسحاب المشهور ( بين 401 ـ 400 ق . م ) لعشرة ألاف يوناني عبر كردستان الحالية الى البحر الأسود لم يكونوا غير الأسلاف الحقيقيين للكرد .
إنهم كانوا جبليين أشداء مثلهم يقطنون البلاد نفسها ... بيد ان البحوث الحالية لا توصلنا الى نفس النتيجة فبعض المستشرقين من امثال نولدكة الذي يعد حجة في مجال اختصاصه وغيره أثبتوا لغوياً أن لفظة ( كورد ) و ( كاردو ) غير متماثلتين .
لقد كان هناك ايضاً نظرية لدى بعض المستشرقين تستند الى نسابتهم الى الكلدانيين ، ويشير نيكيتين الى كتّاب من العهد القديم أشاروا الى أن الكلدان سكنوا منطقة كردستان الشرقية وأيد ذلك ماركوبولو .. وكان ثمة رأياً سائداً في اوروبا في القرون الوسطى ان الأكراد ينحدرون من عقلاء الكلدان الوارد ذكرهم في العهد الجديد ، لكن الدراسات الحديثة في علم اللغات المقارن دحر الأحتمالات القائلة بانحدار اللغة الكردية من اللغة الكلدانية ، وقد أظهروا علاقتها باللغة الفارسية الحديثة واللغة الزندية التي هي لغة مشتركة بينهما ونسبت بقوة اللغة الكردية للأنتماء الى مجموعة اللغة الأيرانية ( للمزيد راجع باسيلي نيكيتين : الكرد ص43 وما يليها ) .
وفي تقصينا لنفس الموضوع نراجع ما ورد في المعلومات الأنثروبولوجية عن سكان العراق في دليل الجمهورية العراقية عام 1960 إذ جاء فيه ص420 :
وينتمي الأكراد الى شعوب زاكروس المتوطنة في المنطقة الواقعة جنوب بحيرة وان وعن البحاثة محمد امين زكي في كتابه خلاصة تاريخ كردستان نقرأ :
كان في فجر التاريخ شعوب جبال زاكروس ، وهي شعوب لولو وكوتي وكاسي وخالدي او ( كلدي ) فهذه الشعوب كلها ما عدا الشعوب العيلامية هي الأصل القديم للشعب الكردي ويظهر ان هجرات العنصر الآري الى جبال زاكروس خلطتهم باللغة الآرية ولهذا الأختلاط بالآريين الذين طغت موجاتهم على الجبال العراقية أثر في انتشار صفات جسمية ولغوية آرية ، مما جعل بعض علماء الأنثروبولوجيا مثل هنري فيلد يقول ان سكان المنطقة الجبلية في شمال العراق ، ينتمي أكثرها الى ذوي الرؤوس المدورة ، أما العرب فهم أحفاد الساميين الذين استوطنوا العراق كالعاموريين والآشوريين والكلدان ، بل من العرب من يعتقد ان الأكديين الساميين انما هم أسلافهم في العراق ويضيف أن منطقة الجبال العراقية تعرف عند الآراميين بحوض كاردو أي الكرد ..
من الصعوبة بمكان الخوض في هذا الموضوع الشائك لكن نختم هذه الفقرة بما لخصه الدكتور أمين عثمان في معجم الشرق الأوسط عن هوية الشعب الكردي بقوله : نحن الأكراد شعب أصيل يرجع تاريخه الى 2700 سنة الى الوراء ، يرجع أصله الى منطقة القوقاز الجبلية . لغته هندواوروبية من عائلة اللغات الفارسية. منذ 14 قرناً اختلط تاريخنا وحضارتنا بتاريخ وحضارة الأسلام ...
شخصية البارزاني والثورة الكردية
بني البشر رغم أدعائهم بالتفوق على المخلوقات على وجه البسيطة لكنهم بعيدين كل البعد عن فرضية الأقرار والتسليم بحقوق الآخر . الفلسفة الصينية القديمة المثالية تقول :
أن يعتبر كل واحد بلاد الآخرين كبلده وبيوت الآخرين كبيته نفسه ، ان يحب كل الناس بعضهم بعضاً فلن يقهر القوي الضعيف ، ولن يسخر الغني من الفقير ، ولم يحتقر الشريف الوضيع ولن يخدع الذكي البسيط ... لكن في عصرنا هذه مبادئ مثالية بعيدة المنال ، وفي غيابها تشتعل الحروب والثورات .
مثالنا الشعب الكردي حيث بقي مشتتاً في جغرافية الجبال والوديان والسهول ، وبات معرضاً لعمليات التفريس والتتريك والتعريب ، وبالرغم من بقائه متشبثاً بأذيال وشائجية القومية واللغة ، إلا انه بات مهمشاً في دنيا السياسة وتكوين السلطة التي تؤول الى كينونة الدولة .
لنبقى في دائرة الثورة الكردية ونشير الى دور قائدها المعاصر المرحوم ملاّ مصطفى البارزاني الذي قال عنه دانا آدم شمدت :
إن مكانة البارزاني عند الأكراد عظيمة جداً . أعتقد أنها تنتشر مثل الأسطورة او خرافة الى ما وراء العراق لتبلغ أكراد تركيا وأيران ، إنه خبير عسكري وسياسي واقعي ، وليس بين الأكراد من يختزن في ذاكرته هذا القدر العظيم من المعلومات ... ولا يتأخر لحظة في بناء الوحدة الكردية ، وهو أعظم مهندس معماري لها .
يبقى اسم المرحوم ملا مصطفى البارزاني صنواً وتوأماً ملازماً للثورة الكردية الى ما يربو على أربعين عاماً من القرن المنصرم . وطفق البارزاني رمزاً خالداً للثورة الكردية . وسنحاول في هذه الدراسة المختصرة ان نسلط حزمة من الأضواء على مسلسل طويل شائك من الأحداث ، ولهذا أتوقع أن لا تكون الدراسة وافية لكل جوانب الموضوع .
كانت ولادة ملا مصطفى البرارزاني عام 1903 وهو الأبن الثالث لوالده الذي توفي قبل ولادته بفترة وجيزة ، وشنق الأتراك أخيه الأكبر عبدالسلام في مدينة الموصل عام 1914 ، بعد رفضه إرسال متطوعين للجيش التركي .
في أواخر العشرينات تزوج البارزاني وأنجب ثلاثة اولاد وثلاث بنات ، وتزوج ثانية في حقبة الثلاثينات من القرن الماضي ، وأنجب ابنه أدريس وبنتاً واحدة ، ثم تزوج للمرة الثالثة وأنجب خمسة أولاد منهم السيد مسعود البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيس أقليم كردستان ، وكان يوم ميلاده في 25 / 1 / 1946 الذي يصادف يوم أعلان جمهورية مهاباد . والتي سنتطرق الى بعض جوانبها بما يتعلق بموضوعنا .
بقي البرزاني على رأس الثورة الكردية عسكرياً وسياسياً الى أن بلغ من العمر حوالي 75 سنة ، إذ لجأ الى طهران ومنها غادرالى الولايات المتحدة بقصد المعالجة الطبية ، وهناك وافته المنية عام 1979 م فنقل جثمانه الى أيران ودفن في قرية ( شنو ) وقد حضر مراسيم الدفن الألوف من الناس



قائدة الثورة الكردية المعاصرة ملا مصطفى البرزاني ( 1903 ـ 1979 م )
من مختلف بلدان العالم لتوديع القائد الأسطوري للشعب الكردي .
في عام 1993 نقل رفاته الى مسقط رأسه وأرض آبائه في قرية بارزان . ( للمزيد راجع د . زهير عبد الملك ، الأكراد وبلادهم كردستان بين سؤال وجواب ص163 وما يليها وكذلك د . عثمان علي في دراسات في الحركة الكوردية المعاصرة ص575 وما يليها ) .
ملا مصطفى البارزاني قائد عسكري محنك ، إنه لم يتخرج من مدرسة أركان عسكرية عليا ، لكن مدرسة الحياة القاسية علمته فنون الحرب ، وكيف يدير ويقود المعارك بخطط عسكرية تكتيكية واستراتيجية . لقد تنوعت هذه المعارك ، بينها تلك التي يخوضها مع القبائل الكردية الموالية للحكومات المتعاقبة ، وأخرى مع الجيش والشرطة العراقية والتي كانت تستعين بالقوة الجوية البريطانية في العهد الملكي .
لقد نال البارزاني ومعه قادة آخرين رتبة الجنرال العسكرية في جمهورية مهاباد ، في مسعى من هذه الجمهورية الفتية لخلق نواة جيش منظم بإضفاء نوع من التنظيم والرسمية على القوات القبلية الكردية . وبهذا الصدد ايضاً نقرأ للدكتور ( عثمان علي ص733 ) : ان قاضي محمد رئيس جمهورية مهاباد قد كلف البارزاني بتأسيس الجيش الكردستاني واصبح مشرفاً عليه . لذلك كان هناك في نيسان عام 1946 جيش مسلح متكون من 1500 مسلح برزاني وثلاث أفواج نظامية و 700 جندي في مهاباد ، واعطي للبارزاني لقب الجنرال في هذا الجيش .
في نفس السياق يؤشر الدكتور عبدالرحمن قاسملو في (كردستان أيران 112 ) ان قاضي محمد منح قاضي سيف والملا مصطفى وعمر شكاك ... رتبة الماريشال ، وأمنت لهم ملابس عسكرية سوفيتية . وعن الدكتور عثمان علي ص 734 أنه في محاكمة قاضي محمد قال بكل صراحة :
انه اعطى راية الكورد للبارزاني وهو رجل عظيم وذو أخلاق حميدة ، وهذا الكلام يؤكده السيد مسعود البارزاني نقلاً عن أبيه .
ويستطرد الكاتب أن قاضي محمد وصف البارزاني بالعبارات التالية :
... حسناً ، ولكنني لن أقول أكثر من بضع جمل ، الملا مصطفى يتصف بكل صفات الرجولة والكرم والشرف والأنسانية والشجاعة والأقدام والجرأة ، والتي اتصف بها من خلدهم التاريخ ... الخ
لقد اكتسب القائد ملا مصطفى البارزاني خلال سيرورة حياته النضالية الطويلة بما فيها من محطات النجاح والأخفاق ، فاتسمت شخصيته بكارزمية عالية بين ابناء شعبه وبين اصدقاء كردستان في ارجاء المعمورة .
هكذا كان همّ الحكومات العراقية المتعاقبة ينطوي على التخلص منه شخصياً ، فالقضاء عليه يعني معنوياً ضعضعة وإضعاف أركان الثورة الكردية بالقضاء على قائدها ورمزها .
هكذا سوف تتوالى المؤامرات من أجل القضاء عليه : وستخصص حكومة عبدالسلام عارف مبالغ كبيرة هدية لمن يغتال البارزاني ، أما صدام حسين فسوف يرسل مجموعة من رجال الدين ( الملالي ) المفخخين بالمتفجرات ، وكان ذلك في 29 أيلول سنة1971 للأجتماع مع البارزاني ، واثناء الأجتماع انفجر الملالي وتخلص البرازاني وحيداً بأعجوبة ، كما فشلت محاولة اخرى لاغتيال ابنه أدريس في بغداد . ( للمزيد راجع الدكتور خليل جندي : حركة التحرر الوطني الكردستاني في كردستان الجنوبي ص 130 ـ 131 ) .
لقد تشرفت شخحصياً بمقابلة المرحوم ملا مصطفى البارزاني مرتين في اواسط الستينات من القرن الماضي وذلك في مدينة رانية ، فكان فصيحاً في لغته ، واثقاً وهادئاً في كلامه ، محور كلامه عن الثورة وعن أبناء الشعب الكردي الذين يتجشمون أعبائها ، وعن العلاقة المتينة بين الشعب وثورته ، وعن القيادة والقائد الذي ينبغي ان يكون مثالاً حسنا ً يقتدي الشعب بأفعاله قبل أقواله .
حبيب تومي / اوسلو
يليها الحلقة الثانية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
1 ـ باسيلي نيكيتين : الكرد دراسة سيولوجية وتاريخية ، تقديم لويس ماسينيون ، نقله من الفرنسية وعلق عليه الدكتور نوري طالباني ، دار الساقي ط2 سنة 2001 بيروت
2 ـ الأستاذ محمود فهمي درويش والدكتورين مصطفى جواد واحمد سوسة : دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960
3 ـ د. هوستن سميث : أديان العالم ، تعريب سعد رستم ، حلب 2005
4 ـ إعداد الدكتور زهير عبد الملك : الأكراد وبلادهم كردستان بين سؤال وجواب ، السويد سنة 1999
5 ـ الدكتور عثمان علي : دراسات في الحركة الكوردية المعاصرة ، تقديم الأستاذ الدكتور محمد هماوندي ، أربيل عام 2002 م .
6 ـ سعد سعدي : معجم الشرق الأوسط ، فكرة د . وليد هندو ، مراجعة الأب الياس الخوري ، ومي زيادة العاقوري ، دار الجيل بيروت 1998 م
7 ـ د . عبد الرحمن قاسملو : كردستان أيران ، ترجمة غزال يشيل أوغلو ، دمشق 1999
8 ـ جواد ملا : كردستان والكرد وطن مقسم وأمة بلا دولة ، تقديم : د . جمال نبز ، دار الحكمة لندن ط2 سنة 2000 م .
9 ـ الدكتور خليل جندي : حركة التحرر الوطني الكردستاني في كردستان الجنوبي ( 1939 ـ 1968 ) ، ستوكهولم 1994

 

 

 

 

حركة التحرر الوطني الكردستاني في كردستان الجنوبي 


 

الدور الذي يفترض أن تلعبه قوى حركة التحرر الوطني الكردية في كردستان العراق في نضال الشعب العراقي في المرحلة الراهنة

كاظم حبيب
khabib@ximamedia.de
الحوار المتمدن - العدد: 504 - 2003 / 5 / 31
 

 

لعبت حركة التحرر الوطني الكردية في كردستان العراق دور المحرك المستمر في العملية الثورية في العراق. وتركز النضال الثوري للشعب الكردي في أعقاب تأسيس الدولة العراقية وإلحاق كردستان الجنوبي بالعراق حتى الوقت الحاضر على ثلاث مسائل مركزية هي الديمقراطية للعراق والحقوق القومية العادلة والمشروعة لشعب كردستان ووضع الثروة الوطنية في خدمة مصالح الاقتصاد الوطني والمجتمع. ولم تتغير هذه الشعارات طيلة العقود المنصرمة, رغم ما طرأ على الواقع العراقي من تغيرات كبيرة وعميقة. إلا أن هذا الاستقرار على الشعارات الرئيسية لا يعني جموداً, بقدر ما كان يعود إلى عدم تحقق تلك المطالب, مما حدا بالقوى المناضلة أن تواصل رفع تلك الشعارات مع منحها المزيد من الملموسة أو التفاصيل الإضافية الضرورية لتحديد وجهة التطور والمهمات الأخرى. فشعار الحقوق القومية المشروعة بدأ بالاتحاد الفيدرالي في الفترات الأولى لقيادة الملا مصطفى البارزاني للنضال الثوري للشعب الكردي, ثم تحول إلى شعار المناداة بالحكم الذاتي في إطار الجمهورية العراقية نتيجة العديد من التحولات في الواقع العراقي, ثم تحقق هذا الشعار شكلياً, في حين تم انتزاع مضمونه عملياً من خلال السياسات والإجراءات العدوانية التي مارستها الحكم الدكتاتوري سلطة البعث وصدام حسين, ثم عادت قوى التحرر الوطني الكردستانية إلى شعار الاتحاد الفيدرالي في أعقاب انسحاب الحكم المركزي من بعض مناطق كردستان والذي أصبح واقعاً ملموساً وحياً وفق قرار المجلس الوطني لكردستان في عام 1992. وإذا كان هذا الشعار قد تغير عدة مرات ارتباطاً بالظروف الملموسة في العراق عموماً وكردستان على وجه أخص, فأن شعار الديمقراطية للعراق وكذلك شعار وضع الثروة النفطية وثروات البلاد الأخرى في خدمة عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية حافظا على حيويتهما واستمراريتهما حتى الوقت الحاضر, إذ لم يتحقق أي تغيير يذكر في واقع الاقتصاد والمجتمع في العراق, بل عانى الشعب كله من عواقب السياسات التدميرية والحروب العدوانية التي شنها أو تورط بها النظام الدكتاتوري على الصعد المحلية والإقليمية والدولية, وتنظيم حملات الإرهاب البشعة ضد الشعبين العربي والكردي والأقليات القومية وأصحاب المذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية. والمعاناة  في العراق ما تزال مستمرة وستبقى آثارها المباشرة وغير المباشرة لفترة غير قصيرة قادمة.
واستطاعت حركة التحرر الوطني الكردية, رغم كل المصاعب والمشكلات والعقبات والصراعات وعواقبها على مجمل الحركة الديمقراطية في العراق, أن تلتزم بصواب, وهذا لا يعني عدم الوقوع بالأخطاء, كما هو حال حركة التحرر الوطني العربية أو غيرها من حركات التحرير والأحزاب السياسية, أن تحافظ على عدد مهم من المؤشرات الجوهرية في نضال الشعب العراقي كله, وأعني بها ما يلي:
أولاً: إصرار الشعب الكردي وقواه السياسية الديمقراطية وقيادته على النضال الدؤوب والمطالبة الدؤوبة بحقوق الشعب الكردي العادلة والمشروعة, رغم التضحيات الجسيمة التي قدمها هذا الشعب المقدام وقيادته على مدى أكثر من 80 عاماً. فلم تخمد انتفاضة, إلا وتحركت انتفاضة أخرى, ولم يسكت المثقفون حتى تحرك الفلاحون أو الطلبة وسكان المدن. وهكذا بقيت القضية ساخنة حتى احتلت موقعاً بارزاً في ضمير الشعب وفي واقع المنطقة ومشكلاتها وقضية دولية تستوجب الحل.
ثانياً: الربط العضوي والصائب بين نضال الشعب الكردي والشعب العربي والأقليات القومية في العراق. إذ التزم أغلب قادة الحركات السياسية في كردستان العراق والأحزاب التي يقودونها بهذه المسألة الحيوية, إدراكاً منهم بأهمية هذا الربط وحيويته لصالح النضال المشترك وتحقيق النصر بصورة مشتركة.
ثالثاً: الاستعداد الكبير لدى القيادات والأحزاب الكردية على امتداد الفترات المنصرمة على تقديم الحماية والدعم لمناضلي الوسط والجنوب الذين كانوا يجبرون على مغادرة الوسط, ومنها بغداد, والبصرة من طغيان وإرهاب النظم الدكتاتورية والإرهابية. وكانت جبال كردستان والشعب الكردي قاعدة مهمة لا لحماية المناضلين وتأمين ما هو ضروري لهم فحسب, بل ومن أجل مواصلة النضال من هناك أيضاً ضد النظم الدكتاتورية, وخاصة في أعقاب انقلاب شباط الدموي عام 1963. وإذا كان هذا الواقع قد شمل الشيوعيات والشيوعيين على نحو خاص وفي فترات مختلفة, فأنه لم يقتصر عليهم في فترات أخرى, بل شمل الكثير من القوى والأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية العراقية, وبشكل أخص في أعقاب خلاص كردستان العراق من هيمنة الحكم المركزي ووجود الحماية الجوية.
خبر المناضلون من النساء والرجال في الوسط والجنوب هذه الحقائق الثلاث في سنوات النضال ضد النظام الملكي-الإقطاعي الجائر والحكومات الرجعية المتعاقبة, وكذلك في فترات النضال في العهد الجمهوري وخاصة عهد البعث الذي دام أكثر من 35 عاماً. كما خبرت الجماهير الشعبية خلال العقود المنصرمة خمس حقائق جوهرية أخرى, رغم إن بعضها استخدم أحياناً بصورة خاطئة واعتبر بمثابة "كلمة حق أُريد بها باطل", وخاصة تلك التحالفات التي حصلت مع نظام الجريمة المنظمة والعهر السياسي, نظام البعث في العراق, وهي:
1. إن وحدة النضال العراقي, عرباً وأكراداً وتركماناً وآشوريين وكلدان وغيرهم تعتبر القاعدة المتينة التي يمكن استناداً إليها ليس الحفاظ على وحدة العراق وصيانة استقلاله وسيادته الوطنية فحسب, بل وتأمين تقدمه وازدهار اقتصاده وتقدمه الاجتماعي والثقافي.
2. إن وحدة الأحزاب السياسية الديمقراطية التي تسعى للتعبير عن مصالح وإرادة الطبقات والفئات الاجتماعية المختلفة في إطار القوميات المذكورة أو على صعيد العراق ككل كانت في الواقع الضمانة الفعالة في تحقيق النجاحات والحفاظ عليها, والعكس صحيح أيضاً.
3. إن الاعتراف بالحقوق القومية المشروعة والنضال المشترك لممارستها فعلاً, سواء أكانت للشعب الكردي أم للأقليات القومية, هو الطريق الوحيد الذي يعزز التفاهم والتآخي والأمن والاستقرار في البلاد, وبغير ذلك تسود الفوضى ويعم الاضطراب وتنجح المؤامرات, إذ أن من يرفض تلك الحقوق يعبر عن نزعة استبدادية وشوفينية تشم منها رائحة العنصرية المقيتة.
4. وأن الحرية والديمقراطية وممارسة حقوق الإنسان هي الأدوات الفعالة والحقيقية لضمان التطور والازدهار للشعب العراقي, وضمان التلاحم بين الحكم الديمقراطي أو الحكام الديمقراطيين والشعب. وهو الذي يستوجب سيادة الدستور الديمقراطي والحياة البرلمانية والتعددية السياسية والتداول الديمقراطي للسلطة ... الخ.
5. وأن هذا لا يكتمل إلا بضمان الاستخدام الفعال للثروة الوطنية, النفط والكبريت والفوسفات والمنتجات الزراعية وغيرها, لصالح ازدهار الاقتصاد الوطني وتأمين التنمية الاجتماعية والحفاظ على العدالة الاجتماعية في المرحلة الراهنة والبعيدة المدى على أسس ومبادئ "اقتصاد السوق الحر الاجتماعي" وتامين مستلزمات تحقيق ذلك. وعدالة التوزيع وإعادة التوزيع للثروة أو الدخل القومي المطلوبة لا تمس الأفراد والجماعات فحسب, بل تمس أيضاً المناطق المختلفة من العراق, أي اتحادية كردستان والمنطقتين الوسطى والجنوبية. 

كان انسحاب الحكم المركزي من بعض مناطق إقليم كردستان وأخذ السلطة من قبل الأحزاب القومية الديمقراطية الكردية قد منح الشعب الكردي فرصة ذهبية في إقامة الاتحادية الفيدرالية في إطار الجمهورية العراقية بالضد من رغبات وإرادة النظام الدكتاتوري, بعد أن عاث في كردستان فساداً وبعد أن أرسل إلى طاحونة الموت أكثر من ربع مليون إنسان على امتداد سنوات حكمه وبعد أن فرط بالموارد الأولية, وخاصة بالثروة النفطية ومواردها المالية, وخرب ريف كردستان وزراعته. ومن المؤسف أن هذه الفرصة الذهبية لم تستثمر كما يفترض فنشبت الخلافات ووقعت النزاعات العسكرية الدموية لفترة غير قصيرة بين الحزبين المؤتلفين في الحكم, إلى أن أمكن, بجهود محلية وإقليمية ودولية, إيقافها والبدء بحوار سلمي وعقلاني لصالح الشعب وقضية كردستان العراق. ومنذ عام 1998 بدأت الأوضاع في كردستان تتحسن, بالرغم من وجود حكومتين في كل من أربيل والسليمانية وجهازي دولة ...الخ. وشاركت مع غيري من الأحزاب والناس الذين كانوا وما زالوا يريدون الخير للشعب الكردي ولكردستان العراق, باعتباره ضمانة أيضاً لخير الشعب العربي والأقليات القومية في العراق, في توجيه النقد لتلك المرحلة والسياسات التي مورست فيها, ودعونا إلى تغيير هذا النهج. وعلى امتداد السنوات الخمس المنصرمة تحقق الكثير على طريق معالجة المشكلات القائمة بين الحزبين الحاكمين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. 
إن سقوط نظام الإرهاب في العراق على أيدي قوات التحالف الأمريكي – البريطاني يعتبر من حيث المبدأ والواقع ضعفاً كبيراً في قدرات قوى المعارضة العراقية مجتمعة على الإطاحة به. وكنت في حينها قد كتبت قائلاً, بأن النظام العراقي ضعيف جداً ولكنه بالقياس إلى المعارضة العراقية يعتبر أقوى الضعفاء. وكانت هذه الملاحظة حقيقة واقعة بغض النظر عن العوامل المعروفة لدينا جميعاً. ولكن المهم في الأمر هو أن النظام قد سقط وأن العراق قد تحرر من رجسه, ويعيش الآن تحت الاحتلال الرسمي الذي قرره مجلس الأمن الدولي بالإجماع وعلى أساس الأمر الواقع.
وفر سقوط النظام للقوى الوطنية العراقية, رغم كل المصاعب والعقبات الراهنة, أرضية صالحة وجديدة لبناء جمهورية عراقية اتحادية ديمقراطية ومجتمع مدني حديث, إضافة إلى إمكانية توفير مستلزمات إنهاء الاحتلال بأسرع وقت ممكن. وتقع مسؤولية ذلك على عاتق جميع القوى السياسية العراقية ابتداءاً من الحزبين الديمقراطيين في كردستان العراق وبقية الأحزاب الوطنية هناك, ومروراً بالحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي الكردستاني والأحزاب الديمقراطية الأخرى وأحزاب الإسلام السياسي المعتدلة التي تعترف بالديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والتعددية الفكرية والسياسية والفصل بين الدين والدولة والفصل بين السلطات الثلاث.
ويبدو لي بأن القوى السياسية الديمقراطية في كردستان العراق, وأخص بالذكر منها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني, ولا أبخس دور الأحزاب والقوى السياسية الأخرى في كردستان العراق, قادرة على لعب دور ديناميكي فعال لضمان التحرك السياسي العراقي باتجاه تحقيق تحالف القوى الوطنية العراقية, فأنا لا أغالي بهذا الدور ولا أحملهم ما لا طاقة لهم به, بل أدرك حجم الإمكانيات والقدرة على التأثير والمساحة التي يمكن التحرك فيها لصالح القضية التي أثيرها. المطلوب البدء بحركة نشطة ومسؤولة ومكثفة, وهذا لا يعني أنها غير قائمة حالياً, ولكني أشعر اليوم بحاجة استثنائية أكبر قبل أن يحاول الأعداء إغراق البلاد بالدم والحرائق والاغتيالات وبالشعارات العدوانية المفككة لوحدة القوى والمجتمع, صوب معالجة الأمور التالية:
أولاً: معالجة وحدة الحكم في كردستان بعد أن عولجت جملة من الإشكاليات التي كانت تواجه الحزبين الحاكمين. وفي هذا يتحمل الشخصيتان الوطنيتان الأخ مسعود البارزاني والأخ جلال الطالباني والمكتب السياسي واللجنة المركزية للحزبين مسؤولية تعجيل هذه العملية وتقديم النموذج الذي يحتذي به في معالجة الإشكاليات الداخلية. هذه ليست صرخة لإثارة الحمية, بل هي رؤية علمية واقعية لحاجات كردستان حالياً, وبالتالي لحاجات العراق عموماً. ويمكن للقوى السياسية العراقية أن تلعب دوراً إيجابياً على هذا المسار المهم. ويصعب تصور الوصول إلى نتائج مستقرة أو ثابتة حقاً دون معالجة هذه المشكلة الكردستانية. إن وحدة الحكم ومؤسساته وأجهزته المختلفة ليست عملية سهلة, ولست ناكراً ذلك بعد مرور عدة سنوات على أمر أصبح واقعاً, ولكنها ليست بعيدة المنال, بل كما أري قريبة جداً وعلينا البدء المعجل بها.
ثانياً: طرأت تغييرات واسعة على الواقع العراقي قبل سقوط وبعد سقوط صدام حسين ونظامه وبرزت عوامل فاعلة جديدة يفترض أن تؤخذ بنظر الاعتبار عند تحديد اصطفاف القوى السياسية العراقية لمواجهة الأوضاع الجديدة وقطع دابر إثارة الفوضى في البلاد. أشعر بالحاجة الماسة على قيام الحزبين الكرديين, الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني, بالعمل سوية وعبر حوار مع جميع القوى لتجاوز الصيغة السابقة وإعداد قائمة بأسماء من يتم الاتفاق عليهم ليشكلوا نواة المؤتمر الوطني العراقي, على أن تقر القائمة من القوى السياسية المختلفة. وهو أمر ممكن ومفيد ويتجاوب مع الوضع الجديد والانسلاخات التي حصلت في القوى والإضافات التي جاءت والشروط التي تغيرت. إذ لم يعد هناك من هو ضد الحرب ومن هو إلى جانبها, بل أصبحت القضية من يريد الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي والأقليات القومية في العراق ومن يريد بالضد من ذلك.    
ثالثاً: وإذ يجري العمل على معالجة هذه القضية يراد إعداد تصور من جانب الحزبين عن طبيعة وبنية الحكومة التي يراد تشكيلها كمقترح أولي يمكن تقديمه إلى بقية قوى المعارضة العراقية الذي يأخذ بالاعتبار من مواقع المسؤولية التاريخية بنية القوى ودورها وتأثيرها والحاجة إليها, ومن ثم يمكن طرح هذا المشروع وبصورة مستقلة على كونفرنس لقوى المعارضة العراقية, سواء تلك التي أيدت الحرب أم رفضتها, يحضر له ويعقد في كردستان لبحث موضوع الحكومة التي يراد تشكيلها. وعند الاتفاق العام على ذلك يمكن تقديمه للمشاورة التي لا بد منها من الناحية الواقعية مع سلطات الاحتلال لعقد مؤتمر وطني واسع يعقد في بغداد لإقرار الصيغة التي تم الاتفاق عليها في الكونفرنس, على أن يكون الحضور واسعاً نسبياً ليمثل أوسع الأطياف العراقية. ومن هنا يمكن القول بأن الوصول إلى تشكيل التيارات العراقية سيساعد على اختصار التعدد الحزبي الواسع, ويتم التعاون مع التيارات لتشخيص الأسماء المطلوبة القادرة والمقبولة شعبياً لأخذ المسؤولية من أجل إنجاز مهمات فترة الانتقال. ليس هدفي أن أقول هنا بأن الأخوة في كردستان لم يحاولوا ذلك, بل أدعوهم لتجربة الأمر مرة أخرى ووفق أسس جديدة, إذ ربما الأخذ ببعض المتغيرات واختيار آلية أخرى في هذه المسيرة يسهمان بدور أفضل لمعالجة المشكل الراهنة, خاصة وأن خشيتي تتوجه صوب احتمال حصول انشقاقات جديدة في القوى التي كانت تعمل موحدة قبل سقوط النظام. وسيلاحظ مثل هذه الانشطارات بين صفوف القوى التي تكونت في الخارج وبين القوى التي كانت تعمل معها في كردستان العراق أم في داخل البلاد.
رابعاً: إن من مصلحة العراق والشعب العراقي, وهي ليست مناقضة لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية من حيث الرؤية الواقعية, إنجاز فترة الانتقال بسرعة والخروج من العراق, رغم أني أدرك بأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تترك العراق قريباً قبل أن تنجز ما في خطتها في الشرق الأوسط, وخاصة إزاء الصراع الفلسطيني –الإسرائيلي, والصراع السوري/اللبناني – الإسرائيلي, والذي سيستغرق سنتين على أقل تقدير. ومع ذلك فمن مصلحتها تسليم السلطة إلى العراقيين بعد فترة الانتقال وخلال سنة واحدة حيث يمكن إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وقوة عسكرية حدودية صغيرة مع الاحتفاظ بقوات البيشمركة ضمن القوات العسكرية العراقية وقوة شرطة (نجدة) مناسبة للأمن الداخلي.
خامساًً: إن استمرار الوضع الراهن على هذا البطء بالتحرك سيقود إلى بروز جملة مشكلات معقدة, وأبرزها تحرك قوى صدام حسين المنظمة حزبياً وأمنياً وتخريبياً ومالياً وجماهيرياً ونسوياً ودينياً وعربياً أولاً, وقوى الإسلام السياسي السني, وخاصة القوى الوهابية, حتى لو أنكرت أنها وهابية, فالتقية معروفة عند المسلمين, إضافة إلى الجماعات الأخرى التي بدأت تتحرك تحت واجهات دينية ولكنها في الجوهر بعثية. كما يمكن أن تتحرك قوى الإسلام السياسي الشيعية المتطرفة التي ترفض الديمقراطية وحقوق الإنسان والحقوق القومية .. وتريد إقامة دولة الله على أرض العراق, وهي غير مستعدة للتفاهم, بل سلاحها العنف وفرض الرأي على الآخرين. ورغم الضربات الموجعة التي تلقتها قوى جند الإسلام (فرع القاعدة في كردستان العراق والعراق ), فأنها ستجد الفرصة مناسبة للتحرك وضرب أهداف معينة للوصول إلى غايات محددة في هذه المرحلة بالذات. إن الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت ما لم نستعد لها, كما ستتفاقم ظاهرة سلبية جديدة, هي أن بعض الأحزاب السياسية العراقية التي كانت في صف المعارضة حتى سقوط صدام حسين ستحاول امتصاص أكبر عدد ممكن من الأشخاص الذي ارتبطوا بصيغ مختلفة بحزب البعث العربي الاشتراكي, وسوف لن يقتصر هذا على الوفاق الوطني, بل سيشمل قوى أخرى, خاصة تلك التي لا قاعدة جماهيرية واسعة لها, أو حتى القوى الدينية في مقابل توبة كاذبة, وكذا الجماعات أو العناصر العاملة في الصحافة وأجهزة الإعلام... الخ. وهذه الظاهرة خطرة جداً. وخطورتها تكمن في أنها ستمنح تلك الأحزاب أو الجماعات غطاء سياسياً آمناً لجماعات ونشاطات حزب البعث ضد الوضع الجديد, أدركت ذلك أم لم تدركه. وعلينا أن ننتبه إلى محاولة جادة من جانب العوائل التي تدين للبعث بالولاء في مناطق معينة من العراق في منع إجراء تحري في دورها لمعرفة مدى وجود أتباع صدام أو صدام ذاته في تلك البيوت بحجة حرمة البيوت والكفار لا يدخلون مثل هذه البيوت. لهذا يفترض تنظيم الأمر على أسس أخرى لكي لا يفلت هؤلاء من الاعتقال, إذ أن صدام حسين ومجموعة القيادة موجودة تماماً في بيوت غربي بغداد أي في محافظتي الأنبار وصلاح الدين.
سادساً: إن الإشكالية الكبيرة التي تعاني منها الجماهير الواسعة تكمن في ستة مسائل, وهي:
• غياب الأمن والخشية من السرقة والسطو والعنف والاغتصاب والموت على  أيدي العصابات المنظمة ومن القوى السياسية المعادية.
• غياب أو استمرار ضعف الخدمات الضرورية التي تحتاجها الجماهير الواسعة والتي يفترض توفيرها من جانب سلطات الاحتلال, والتي أرى ضرورة تدخل القوى السياسية العراقية في هذا المجال لتحقيق تسريع العملية وتعبئة الجماهير بالذات للمشاركة في هذه العملية وليس انتظار قوات الاحتلال لتنظيمها أو إنجازها.
• تصاعد تذمر الجماهير الشعبية من هذا الوضع ومن عدم دفع الرواتب وقلة توفر المواد الضرورية مما يدفعها إلى الاحتجاج والتظاهر, وهي ليست خاطئة بذلك.
• احتمال كبير وفعلي باستثمار تذمر واحتجاج الجماهير الواسعة في مختلف مدن وأرياف العراق من جانب القوى المعادية التي تنتظر ذلك لتوجيهها الوجهة التي تريدها. ويبدو أن الاستعداد النفسي متوفر عند جمهرة غير قليلة من الناس. وهو جزء من التغيرات الكبيرة التي طرأت على الوضع النفسي والعصبي والمزاجي والسلوك اليومي للناس وخشيتهم من المستقبل وعدم الثقة بأحد ...الخ.
• يمكن أن يلحق هذا الاتجاه في التطور الضرر الكبير بالأحزاب والقوى الوطنية التي ناهضت النظام الدكتاتوري من الناحيتين السياسية والأخلاقية, وبالتالي تراجع المصداقية. وهو أمر بالغ الخطورة ينبغي أن نعالجه بسرعة لصالح المجتمع وتطور العراق الديمقراطي. إن مثل هذا التطور سوف لن يترك كردستان بمعزل عنه. ومن هنا تأتي أهمية الانتباه والتعامل الواعي مع مجريات الأمور, وإعارة الانتباه على دفع رواتب الموظفين في كردستان والعراق عموماً, إذ أن عدم الدفع يعمق التذمر ويدفع بهم إلى اتجاهات سياسية خاطئة .    
• والإشكالية الكبيرة التي تواجهنا هي أن قوى المعارضة الوطنية والديمقراطية في العراق محاطة بحكومات لا تكن لها الود على الأقل ولا تريد أن تراها بالسلطة وتتمنى إجراء تغيير أخر لقوى أخرى تأخذ زمام الأمور بيديها. ورغم صعوبة حصول مثل هذا الأمر إلا أنه قادر على التشويش على القوى الديمقراطية وعلى اتجاهات تطور الأوضاع في العراق.
• والقضية الأخيرة التي أود التنويه عنها في هذا الصدد هي أن الأحزاب السياسية العراقية كانت وما تزال بحاجة إلى إصلاح داخلي وخارجي, إصلاح يشمل إجراء تغيير في علاقاتها المتبادلة, وتغيير في بنيتها الداخلية وبرامجها المختلفة, سواء السياسية أم الاقتصادية أم الاجتماعية أم الثقافية أم العسكري, وتغيير في خطابها السياسي.

هذه مجرد وجهة نظر شخصية أو اجتهاد وددت أن أضع بعضاً منها تحت تصرف الحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وأمام بقية الأحزاب السياسية العراقية وجميع القارئات والقراء الكرام.

برلين في 29/05/2003                                                     كاظم حبيب 

 

Saddam Hussein sentenced to death by hanging.htmlplay